87931f3e a529 4891 86ef aec4cc0dc7ab

طرطوس: الحالة الفردية في مدينة تحلم بالجماعة

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




عودة شخصية إلى طرطوس تكشف فراغ الذاكرة العامة و خيطُ خوفٍ يربط مدن البلاد.

حين يسقط زمنٌ كامل، لا تسقط معه الجدران فقط بل الذاكرة أيضاً. المدن التي تعيش فينا تكشف حقيقتها حين نعود إليها بعد الغياب. والعودة ليست حدثاً عابراً، بل مواجهة مع صور قديمة وأماكن تغيّرت ونحن بعيدون عنها، ومع أسئلة لا مفر منها.

المدينة المثقلة بالذاكرة

طرطوس هي موطني. مدينة البحر والضباب الصيفي، والبيوت التي تتكئ على بعضها كأنها لا تريد أن تنهار. كل زاوية تحفظ شيءً من طفولتي: رائحة الخبز في الصباح، أصوات الباعة، ضحكات الجيران. لكن المدينة التي أعود إليها اليوم ليست كما تركتها. الليل في طرطوس لم يعد كما كان. ما إن تغيب الشمس حتى تخلو الشوارع من المارة، ويغدو البيت ملاذاً قسرياً. عتمة جديدة تخيّم عليها، حوادث خطفٍ متكررة  حتى أصبح الحديث عنها روتيناً يومياً كما الحديث عن الطقس وانقطاع الكهرباء وما زال التقنين يزيد عن ١٦ ساعة يومياً، وشعورٌ بالإنهاك يواصل ملاحقة الناس. ومع ذلك، تبقى طرطوس حنونة، كأنها تقول لي: لست فرداً ضائعاً، بل جزءاً من جماعة تحاول أن تصمد.

على مدى سنوات الحرب، امتلأت شوارع طرطوس بصور الأبناء الذين قُتلوا في صفوف الجيش. وجوه بزيّ عسكري تراقب المارة بصمت ثقيل، بعضها مألوف جداً: أصدقاء الحارة والمدرسة، رفاق الطفولة الذين لعبت معهم كرة القدم وتقاسمت السندويشات. فجأة تحوّلوا إلى صور معلّقة على الجدران، اختزلتهم الدولة/النظام حينه في كلمة واحدة: شهيد. كانت تلك الصور محاولة لتطبيع الموت، لجعل الفقد جزءاً من المشهد اليومي.

وحين أُزيلت تلك الصور بعد السقوط، لم يكن ذلك نسياناً بريئاً، بل استمرارٌ لشكل آخر من القمع. كأن المدينة مُنعت من تذكّر نفسها. فالسلطة السابقة ملأت الجدران بوجوه الموتى ليُخضع الأحياء، أما السلطة الجديدة فمسحتها لتفتح صفحة نظيفة ظاهرياً، لكنها مملوءة بالصمت، إخضاع من بقي على قيد الحياة بالصمت.

أمشي اليوم في طرطوس ولا أجد أحداً من الرفاق الذين كنت أشاركهم المقاهي والحكايات. المدينة صارت مليئة بالوجوه الغريبة، وكأنها استعارت ناساً من أماكن أخرى لتملأ غيابها. أحياناً أشعر أني أنا نفسي صرت غريباً فيها. لا لأنني غبت عنها، بل لأن الحرب ردَمت ما كان بيننا من ذاكرة. الأماكن التي عشنا فيها لم تختفِ، لكنها صارت أشبه بديكور باهت على مسرحٍ بلا جمهور، بلا حياة.. فقط الصمت موجود.

والبحر.. البحر في طرطوس بات الشاهد الصامت. البحر الذي حلمنا من أمامه بالهرب، والذي ابتلع قوارب لم تصل، والذي رافق طفولتنا بصبره الأزلي. البحر لا يتغير، لكنه في عيني يتلوّن: مرة يبدو فسحة حياة، ومرة مرآة للموت. هو الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج، بين من بقوا ومن غابوا، وهو المرساة الوحيدة لمدينة فقدت الكثير من معالمها. البحر صار أيضاً دفتر أسرار، تُلقى فيه الهموم كما تُلقى الحجارة، على أمل أن يبتلعها ولا يعيدها إلى الشاطئ.

أشتاق للبحر، ولمدينتي، واليوم أعود وأنا عمٌّ لطفلين، أفكر فيهما وفي كل الأجيال التي ستنمو وسط هذا الخوف المتوارث. أرى عيني أبي وأفهم أن القلق لم يختفِ، بل تعلّم كيف يتخفّى. في نظراته ترقّبٌ صامت لما سيحدث، كأنه يسألني كيف ستكون حياة هذين الطفلين في مدينة هشّة، تتنفس الخوف كما تتنفس البحر.

أفكر أيضاً في الأطفال الذين يكبرون وهم يشاهدون انتهاكات تطال أطفالاً مثلهم، يسمعون عنها في الأخبار أو يلمحونها في وجوه الكبار. كيف ستكبر ذاكرتهم؟ وكيف سيحملون كل هذا الخوف والظلم دون أن يفقدوا إحساسهم بالعادي؟ أخاف أن يتعلّموا الصمت باكراً، أن يظنّوا أن النجاة تعني التكيّف مع الألم، لا مقاومته. أتذكر كل الأطفال، أتذكر الطفلة تالا الشوفي في السويداء، كأنها صارت مرآةً لكل هذا الرعب المكبوت، ودليلاً على بلدٍ فقد قدرته على حماية صغاره. أكثر ما يرعبني أن يرث هؤلاء الأطفال منّا الخوف نفسه الذي ورثناه نحن.

كنت أريد تصديق فرضية أن طرطوس المدينة التي نجت من الجنون لأنها لم تعرف الحرب فيها معارك كبرى، عرفت موتاً صامتاً ومتواصل، وكانت آمنة ظاهرياً، لكنها تحمل في داخلها خوف البلاد كلها. وبرغم كل ذلك، ظل الناس الطيبون يواجهون قسوة الأيام بالودّ، الودّ ذاته الذي استقبل به الطيبون القادمين الجدد من كل المدن السورية بعد تهجيرهم من بيوتهم، بالود عملوا معهم وازدهرت أعمالهم، بالود ذاته بات القادم جديد من أبناء المدينة، وبسبب هذا الود واللطف والبساطة الفطرية أردت تصديق أن المدينة نجت من الجنون، كنت أرى هؤلاء الطيبين وكأنهم يخافون أن يصيروا مثل غيرهم فاختاروا الود ملجأ وحيد رغم الخوف المسيطر بشكل يومي حتمي.

وطرطوس لم تكن الوحيدة في هذا الود الفطري الحنون، السويداء أيضاً كانت المدينة الودودة الكريمة التي استقبلت الوافدين الجدد من أين ما أتوا في البيوت وكأنهم أهل، هكذا يشهد أهل درعا وحلب ودير الزور. كان الحراك السياسي الشعبي في السويداء مختلفاً حتماً بفضل العديد من الظروف الموضوعية والخاصة، لكن الود، الكرم واللطف، والحنيّة كانت تغلّف كل تفصيل يومي في مدينة الجنوب.

السويداء وطرطوس كانتا بالنسبة لي المدن خارج الجنون المتفشي، وهنا أقصد تماماً قدرة زائر هاتين المدينتين على الشعور بالأمان النسبي بين الناس العاديين.

اليوم أرى الخوف، الخوف في طرطوس لم يكن استثناءً، بل هو الخيط الخفي الذي يربط المدن في البلاد. الخوف نفسه الذي تقاومه السويداء اليوم بأعلى صوت، وتخفيه طرطوس منذ سنوات طويلة. المدن التي حاولت تفادي الجنون، صارت تحمل خوفاً أعمق من الحرب نفسها: خوف من الكلام، من الاعتراض، من كسر الصمت الذي حماها قديماً وصار الآن سجنها. هي مدن تشبه بعضها في الوداعة والسكوت، في طيبة ناسها الذين يواجهون القسوة باللطف، كأنهم يحاولون إنقاذ ما تبقّى من إنسانيتهم بالصبر وحده.

الأفراد بين الذاكرة و”الحالة الفردية”

اختفاء الصور كشف هشاشة ذاكرتنا العامة. النظام استعمل وجوه القتلى كأداة سلطة، والسلطة الجديدة سارعت إلى محوها لإعلان ذاتها سلطة تحكم بالصمت، الخوف الصامت ذاته. أما الناس، أرى وجوه الناس اليوم بعد أن اختفت تلك الصور. الجدران صارت عارية، لكن الفراغ الذي خلّفته لا يقل ثِقلاً عن حضورها. الصور كانت تُذكّر بالخسارة وتشرعنها ولو بجزء عاطفي خاص، أما غيابها فيطرح سؤالاً أقسى: هل كان رحيل هؤلاءَ جميعاً رخيصٌ إلى هذا الحد؟ وكيف يشعر الأهالي وهم يمرّون من شوارع كانت تبهت فيها وجوه أبنائهم، ليجدوها خاوية كأنهم لم يولدوا أصلاً؟ يمكن أن أتخيّل أمًّا تمرّ من هناك، تحدّق بالجدار الفارغ، وتبحث بين شقوق الإسمنت عن أثر وجهٍ لم يعد حاضراً. أو أباً يشيح بنظره سريعاً كي لا تنفلت دمعة أمام الناس. وربما طفل يسأل جدته عن صورة والد أو أخ، فلا تجد جواباً سوى الصمت. الناس تركوا بين خيارين مؤلمين: أن يحملوا ذكرى موتاهم كعبء شخصي صامت، أو أن يقبلوا بأن تتحول خسارتهم إلى مادة سياسية عابرة. وأنا بينهم، أبحث عن وجوه أصدقائي في الذاكرة لا في الشوارع، وأشعر أن موتهم صار ملكي أكثر مما هو ملك مدينتهم.

ذاكرتي العائلية تزيد المشهد ثِقَلاً. البيت تغيّر، الجيران تفرّقوا بين سفر وخوف وموت. هناك مقاعد فارغة، وأحاديث مبتورة، وغياب لا يمحوه الزمن. العودة هنا ليست مجرد رجوع إلى مدينة، بل مواجهة مع حياة شخصية فقدت ملامحها.

العودة إلى طرطوس بعد سقوط النظام ليست عودة إلى مكان فقط، بل إلى ذاتٍ قديمة كنت أظن أنني تجاوزتها. أواجه وجوهاً غابت، وأماكن تبدّلت، وأسئلة بلا أجوبة. هل يكفي سقوط النظام كي يسقط الخوف من داخلنا؟ أم أننا نحمل معنا بقايا زمن مضى ونكررها كل يوم؟

طرطوس اليوم منهكة، نعم، لكنها أيضاً حنونة. بقدر ما تستطيع مدينة مثقلة بالموت أن تكون. وما تبقى لي من هذه العودة ليس يقيناً ولا انتصاراً، بل سؤال مفتوح: إذا كانت طرطوس تحاول أن تثبت أنها ليست حالة فردية، فهل نستطيع نحن أيضاً أن نثبت أننا لسنا مجرد نسخ من الماضي، بل جماعة قادرة على كتابة حياة جديدة؟

وربما هنا تكمن المفارقة: في مدينة اختارت السلطات أن تصف كل خطفٍ أو قتلٍ بأنه “حالة فردية”، يُصبح الحُلم الأكبر لأبنائها أن لا يبقوا حالات فردية معزولة، بل جماعة تعرف كيف تحفظ ذاكرتها وتشارك الحياة معاً.أرى اليوم أن خلاص المدن لا يكون في سقوط نظام سياسي أو تبدّل سلطة، بل في إصرار أبنائها على حماية ذاكرتهم من التبديد. في أن يتعلم كل فرد كيف يروي حكايته كي لا يظل حالة فردية، بل جزءاً من سردية أوسع تحميه وتحمي مدينته. عندها فقط يمكن لطرطوس، وكل مدن بلاد المربوطة بالخيط الخفي، الخوف، أن تقطع خيط اللعنة وتصنع خيطاً جديدا تتحول به المدن المثقلة بالموت إلى مدن قادرة على حمل الحياة من جديد ونسج ذاكرة حياة جماعة بدل “حالة فردية” ميتة..