تنويه تحريري: هذا المقال نقدٌ يعبّر عن رأي كاتبه الضيف، ولا يمثّل بالضرورة موقف «حبق». ننشره بعد إخضاعه لاختبار المصلحة العامة، ومراجعة تتأكد من احترام الكرامة والخصوصية والابتعاد عن الإثارة عند تناول صور العنف أو تمثيلاته الفنية. يلتزم نص المساهمة بقواعد الدقة والإنصاف، كما نوفّر حق الرد والتصحيح عند الحاجة عبر قنواتنا. للمزيد راجعوا بنودنا حول الصور الحساسة، والدقة والتحقق، وحقوق المساهمين المستقلين.
تناول المعرض الذي حمل عنوان “صرخة” في ٢٩ أيلول/أيلول في مدينة شهبا عدداً من الأعمال الفنية. وأثار العمل الفني “الرأس المقطوع” تفاعلاً وربما جدلاً بين الحضور وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لما يحمله من واقعية مباشرة وصدام بصري مؤلم.
يستحضر العمل أحد أكثر المشاهد المأساوية قسوة، في محاولة لتجسيد الفاجعة وتثبيت الذاكرة الجمعية، لكن هذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول دور الفن وعلاقته بالمأساة:
هل يمكن للفن أن يظل فنّاً حين يتماهى كلياً مع الفاجعة؟ أم أنّ تحويل الألم إلى مجسّم، والرأس المقطوع إلى مادّة بصرية، هو مُجرّد شكل من أشكال إعادة تصوير الجريمة ولكن ضمن فضاء الفنّ؟
أليس في هذا القدر من المباشرة ما يختزل فعل الفنّ في مجرد صدمة حسّية؟ أين تنتهي مسؤولية التوثيق ويبدأ الجمال في التسلل إلى القلوب المُنهكة؟ وهل تحتاج هذه الندبات النديّة لحكِّها بالمبرد لِتَظهر للعيان؟
إعادة تصوير المأساة في منحوتة تنزف، تحمل خطر أن يتحوّل الفنان فيها إلى ناقل للألم أكثر من كونه صانعاً لوعي جديد به.
حين تضع رأساً مقطوعاً أمام أجساد مذبوحة، لا تترك فسحة للملمة بقايا أجسادهم والمضي قدماً بألمهم، بل تسجنهم في ردّة فعل عاطفية واحدة، إقامة عزاء أبدي! بينما قد يكون من المفيد فنيّاً خلق التباسٍ خصبٍ يدفعنا نحو السؤال لا مجرّد النحيب.

هذا الشكل من التمثيل الفني يعيد إنتاج أدوات الجريمة في مستوى رمزي، إذ يعرضها بالصورة ذاتها التي ارتُكبت بها، دون أن يمنح المتلقي المسافة اللازمة لتجاوزها.
حين يصبح الفن صورة طبق الأصل عن الحدث، يفقد قدرته على تجاوزه، ويغدو جزءاً من دورة الألم التي تسجن المدينة في مناخ الحداد والذهول.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن لهذا النوع من الأعمال بعداً علاجياً “ثيرابياً” بالنسبة لبعض المتلقين. فرؤية الرأس المقطوع أو إعادة تمثيل المأساة داخل فضاء الفن قد تشكّل وسيلة لمواجهة الخوف والاعتراف بالألم والفاجعة، أو محاولةً لتحويل الرعب إلى وعي، والوجع إلى شكل من أشكال السيطرة الرمزية على ما كان خارج السيطرة، في محاولة لتخفيف الصدمة.
وتبقى التساؤلات مفتوحة:
هل يمكننا أن نحاكم القتلة دون أن نعيد إنتاج أدواتهم رمزياً؟
هل نحتاج أن نرى الرأس لنعرف فظاعة قطعِه؟
هل نحن فعلاً بحاجة أن نتحسس مرة أخرى سخونة دمائنا كي نُدرك فداحة النزيف؟
بين التوثيق والعلاج، بين الصدمة والفهم، يقف الفن في المدينة المكلومة اليوم على حافةٍ دقيقة، حافةٍ لا تكتفي برواية المأساة، بل تحاول وسط الركام أن تعيد تعريف الجمال كفعل مقاومة، لا كمرآة للوجع فقط.



