7

جمالٌ كدرعٍ وجمالٌ كسؤال: أماني في غاليري نوفا

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




في غرف غاليري نوفا المغمورة بالضوء، يتنفّس هذا المعرض بعنصرين اثنين، عمقٌ باردٌ واشتعالٌ حارّ. نساءُ أماني لا يتّخذّن وضعياتٍ للتصوير. إنهنّ يصلن، يترددن، ويندفعن. يسأل المعرض عمّا يقتضيه الظهورُ للعلن، ولماذا نواصل هذا الظهور رغم كلفته. تقول الفنانة التشكيلية أماني زهر الدين: «قدّمتُ عشرين عملاً عن المرأة، لأن حضورها قادر أن يفتح نافذة شعور وسط هذا الألم العام».

أُقيمَ المعرض من ٢٥ إلى ٢٧ من شهر تشرين الأول ٢٠٢٥ في غاليري نوفا في السويداء. تضيف الفنانة: «اخترتُ هذا التوقيت لعلّنا نخرج قليلاً من هاجس الألم. المرأة تستطيع إيصال الإحساس بسلاسة عبر اللون والحركة وتعابير الوجه».

أول ما يستقبلُ الزائرَ هو الضوء. تقع غاليري نوفا في مستوىً عالٍ يتيح للنوافذ أن ترمي أشرطةً صافيةً من النهار على الجدران البيضاء، فتبدو اللوحات وكأنها تصحو تحتها. في القاعة الوسطى ترتفع امرأة بثوب أزرق، ركبتُها تخترق سطح الماء، ذقنها مرفوع للسماء و ذراعاها تنفتحان كمن يختبر الهواء بعد غطسةٍ طويلة. في الجهة المقابلة، يتحوّل الميل ذاته إلى اشتعالٍ أحمر. ماءٌ. نار. نَفَسٌ يخرج، ونَفَسٌ يعود.

تَبني أماني شخوصها بالحركة أكثر من الخط. يظهر ذلك في ضربة الفرشاة. تسارعٌ حول اليدين، شعرٌ منفلت، قماشٌ يتصرّف كأنه طقسٌ جويّ. الوجوه نصف واقعية ونصف مُستعادة من الذاكرة، وهذا هو المقصود: هؤلاء النسوة لسْنَ بورتريهاتٍ لشخصٍ آخر. إنهنّ مواجهاتٌ مع الذات. يتكرّر ريش الطاووس، مرّةً طائراً كاملاً ومرّةً “عيناً” فحسب، بوصفه زينةً ودرعاً في آن. جمالٌ كحماية. جمالٌ كتحدٍّ.

على امتداد القاعات، يتحدّث المعرض بلغة النظرة المرفوعة والعيون نصف المغمضة. ليست تقيّةً ولا استسلاماً، بل إنها اللحظة السابقة مباشرةً للالتزام. النَّفَس الفاصل بين التحفّظ والقفزة. اللوحة الحمراء في قلب المعرض، قماشٌ يجلد الهواء كعاصفةٍ صُغرى، تشبه اختيار الدخول في طقس المرء الخاص. نظيرتها الزرقاء أكثر برودة، نعم، لكنها ليست أقلَّ توتّراً، فسطح الماء يحمل ويقاوم في آن، ويعكس سماءً لا نراها كاملةً. كلا العملين يُبقِيانك على مسافةٍ محسوبة: قريباً بما يكفي لتتأثر، وبعيداً بما يكفي لتلاحظ أنك تتأثر. وهنا تقول أماني: «نحن بحاجة إلى هذا الأمل. حين يأتي الناس إلى هنا يشعرون بالفرق، يرون أن الحياة ما زالت ممكنة».

محور الطاووس يجمع القاعات

أحياناً ريشةٌ تحجب عيناً، وأحياناً طائرٌ بأكمله ينزلق في أرجواناتٍ وخُضَرٍ ليلية. وفي كل ظهورٍ يُطرح السؤال نفسه: من يراقب مَنْ؟ يَنظر المشاهد إلى المرأة المرسومة، وتنظر المرأة إليه، من خلال عين الطاووس. هدنةٌ صامتة ترفض أن تُسَوَّى إلى راحة. الانجذاب يلامس النفور، التعارف يلامس الشك. اللوحات لا “تحلّ” هذا التوتر، بل إنها تقدّمه بكرم.

تتعامل غاليري نوفا مع العرض بكفٍّ رشيق. الغرف صغيرة ومشرقة وخالية من الفوضى، تُمنح كلّ قماشة هواءها الخاص. ثمة إيقاعٍ في الترتيب، قاعةٌ باردة تفتح على قاعةٍ دافئة، ثم عودةٌ إلى البرودة، تماماً مثل الأنفاس. تتنقّل عبر تسلسلٍ لا عشوائية فيه، من البورتريه إلى الدوّامة، من الهمس إلى الالتهاب. إنه تعليق واثق يترك الكلام للأعمال.

لوحة الألوان لدى أماني جريئةٌ بلا صَخَب. الفيروزيّات وأخضر الزجاج البحري يحملان ثقلاً لا عذوبةً سكّرية. الأحمر يميل إلى الجَّمر لا العلكة. أمّا الأرجوان، الجسر بين العالمين، فيحمل أنعم نغمات العرض. ضربة الفرشاة تتأرجح بين الإيماءة والتفصيل: فمٌ مصاغ بدقة، ويدٌ لمّحت إليها بضربتين. النتيجة حرارةُ جسدٍ تُحَسّ دون أن يفرضها أحد.

الفكرة التي تظلّ عالقةً هي أخلاقُ الظهور. ريشةٌ فوق العين، وجهٌ نصفُ ملتف، لحظة النظر إلى أعلى: كلها تبدو تفاوضاً خاصّاً يُجرى علناً. ماذا سأُريك؟ وماذا سأُبقي؟ كم من رقتي أعطيه للقاعة، وكم يبقى لي أنا؟ في مدينةٍ تمرّست حياتها العامة على الاستتار، تختار لوحاتُ أماني استراتيجيةً أخرى. ليست اعترافاً ولا تحدّياً، بل انكشافٌ مضبوط.

وهذا خيارٌ مهمّ للسويداء. فمشهدنا غنيٌّ بالصنعة والصبر، لكنّ الجديد هنا دقّةٌ عاطفيةٌ لا تخشى أن تكون حسّيةً وجادّة في آن، ولا تتردّد في إقامة الالتباس بدلاً من تسطيحه إلى شعار. تستحقّ غاليري نوفا الفضل في منح هذا النَّفَس خشبةً واضحة، غرفاً مقتصدة، ضوءاً صبوراً، وبرنامجاً يعامل الفنانين بوصفهم مفكرين بقدر ما هم صنّاع.

غادرتُ المعرض أفكّر في “المفصل”، الطريقة التي ينتظم بها الجسد قبل الحركة مباشرة. النساء هنا على العتبات: حافة ماء، حافة قماش، حافة انتباههنّ. لا يطلبنَ إذناً. يُعايرن. وهذه المعايرة مُعدية، تدفعك إلى حياتك وأنت أكثرُ تَموضُعاً، أكثرَ كهرباء. لا تغادر بإجابات، بل تغادر بسرعةٍ مكتسَبة. وتختم أماني: «في لحظة الألم يجب أن نُخرج شيئاً جميلاً، بل بمستوى أعلى مما نقدّمه في الأوقات العادية».

أماني في غاليري نوفا تذكيرٌ بأن الشدةَ لا تحتاجُ إلى ضوضاء، وأن الرهافة يمكن أن تحملَ حافةً حادّة تكفي لتصنع أثراً. في عامٍ عطِشٍ في مدينتنا إلى عملٍ يبدو حياً في الزمن الحقيقي، يشبه هذا المعرض باباً يُفتح، نحو المخاطرة، نحو الصراحة، نحو الشيء التالي.