056a6035

حملة تشجير أهلية تقاوم التدهور البيئي في السويداء

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




تعيش محافظة السويداء واحدة من أكثر مراحلها البيئية حساسية خلال العقود الأخيرة. الحرب، الجفاف، غياب الحماية القانونية، والقطع الجائر، جميعها عوامل تراكبت لتغيّر شكل الأرض ومواردها بشكل عميق. في مواجهة هذا التدهور، تظهر مبادرات أهلية صغيرة تحاول إعادة شيء من الحياة إلى الغابات التي تراجعت مساحاتها بصورة حادة، وفي مقدمة هذه المبادرات حملة تشجير يقودها ناشطون محليون تعتمد على الجهد الفردي والإيمان بأن الطبيعة يمكن أن تُستعاد إذا وجد من يعتني بها.

غابات تتلاشى ومساحة حراجية مهددة

شهدت السويداء تراجعاً واسعاً في غاباتها خلال السنوات الماضية. يصعب تحديد نسبة دقيقة، إلا أن شهادات العاملين في المجال البيئي داخل المحافظة تتفق على أن المساحات التي كانت مغطاة بالسنديان والصنوبر والسرو تآكلت بشكل غير مسبوق. ورد في إحدى الشهادات أن الغابات “فقدت أكثر من ٩٠ في المئة من مساحتها خلال عقد واحد” وهي نسبة تنسجم مع التغيير الملحوظ في مناطق مثل غابة العين وحرش قنوات ومحيط ظهر الجبل.

عوامل متعددة تفسر هذا التراجع. خلال سنوات الحرب، توسع القطع الجائر بوصفه وسيلة للتدفئة أو للاتجار بالأخشاب. غاب الردع القانوني والمراقبة، وتعرض حرّاس الأحراج لتهديدات. وفي مناطق عديدة، ساهم الجفاف الطويل وارتفاع درجات الحرارة في تسهيل اشتعال الحرائق أو توسعها. وفي حالات أخرى، أدت بقايا ذخائر الحرب إلى إشعال حرائق متفرقة في عمق الغابات.

تنوع بيولوجي عالمي مهدد بالانحسار

تمتاز السويداء بموقع بيئي فريد. تصنف بين أبرز المواقع عالمياً لنشوء أنواع برية ترتبط مباشرة بالمحاصيل المزروعة. ورد في إحدى الإفادات أن المحافظة تضم “أصولاً وراثية لأربعة عشر نوعاً من الأقماح والبقوليات البرية” وهي موارد تعتبر أساساً لبقاء التنوع الزراعي في المنطقة.

التنوع الحيواني تأثر أيضاً. تراجع وجود الغزال العربي المعروف محلياً باسم غزال الريم نتيجة فقدان الموائل الطبيعية والصيد. رغم تسجيل زيادات مؤقتة في أعداده خلال سنوات سيطرة داعش بسبب صعوبة وصول البشر إلى مناطق انتشاره، عاد العدد لينخفض بسبب الصيد التجاري والوصول غير المنظم للبراري.

الزراعة تحت ضغط المناخ والتحولات الاقتصادية

الجفاف الممتد غيّر خريطة المحاصيل. مناطق الاستقرار التي كانت تعتمد على معدل أمطار يفوق خمسمئة مليمتر سنوياً لم تعد تستقبل الكمية نفسها. ورد في شهادة أحد المزارعين أن “زراعة التفاح لم تعد مجدية في مناطق كانت تعتمد عليه لعقود”، فيما تراجعت إنتاجية الزيتون بسبب حاجته للري المنتظم. أما القمح، المحصول الاستراتيجي للمحافظة، فأصبح إنتاجه في بعض المناطق لا يتجاوز عشرين كيلوغراماً للدونم نتيجة نقص الأمطار وضعف الدعم الزراعي.

تعقدت المشهدية البيئية أكثر مع انتشار الآبار العشوائية خلال السنوات الماضية. في بعض القرى سُجلت مئات الآبار السطحية غير المرخصة، وهو ما أدى إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية وإضعاف قدرة الآبار العميقة على تغذية التجمعات السكانية والزراعية.

مبادرات محلية تقاوم التصحر

أمام هذا الواقع، توجد محاولات فردية وجماعية للحد من الخسائر. حملة تشجير قادها مجموعة من الناشطين في المحافظة تحوّلت إلى مساحة للعمل التطوعي. الفنّان غسان نصر، أحد المشاركين في الحملة، يصف لحظة انطلاق الفكرة بأنها رغبة في “صنع شيء يعيد الاعتبار للطبيعة ويؤكد تمسك الناس بالحياة”. رأى أن ما تعرضت له المحافظة خلال العام الماضي خلق شعوراً عاماً بضرورة القيام بأفعال صغيرة ومفيدة، ولو كانت رمزية.

بدأت المجموعة بتنظيم مسير بيئي من ساحة الشهداء(تشرين) باتجاه محمية الضمنة في محيط دائرة الحراج حيث جرى تجهيز حفر لزراعة أشجار حراجية مع بدء موسم الأمطار. الشتول تأمنت من تبرعات المشاركين ودعم محدود من مغتربين من أبناء المحافظة. في نشاط آخر، شارك نحو ثلاثين متطوعاً بينهم أطفال ويافعون في زراعة أكثر من ثلاثين غرسة حراجية. خلال النشاط عبّر أحد اليافعين عن حماسه بقوله “هذه الأشجار لنا أيضاً ونحن قادرون على حمايتها” وهو ما يعكس جانباً من التحول الأهلي تجاه البيئة.

تعمل المجموعة اليوم على تأسيس نواة مشتل صغير يعتمد على جمع بذور أشجار محلية لإنتاج غراس قابلة للزراعة في المناطق المتضررة. تأمل المبادرة أن يتطور هذا الجهد إلى نشاط بيئي توعوي أوسع يشمل المدارس والمجتمع، إضافة إلى مساحة تخييم آمنة يمكن استخدامها كمنصة للتربية البيئية والسياحة الطبيعية.

من الطبيعة إلى المجتمع: كيف يستعاد ما فُقد؟

المشهد البيئي في السويداء معقد و متداخل. تراجع الغابات، انخفاض التنوع الحيوي، استنزاف المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي كلها أوجه لأزمة واحدة. ورغم غياب الحماية المؤسسية الكافية، تظهر مبادرات محلية تحاول التعامل مع هذا الإرث الثقيل عبر أفعال صغيرة تؤكد أن إعادة الإحياء ممكنة.

أحد المشاركين في المبادرة لخّص هذا التوجه في جملة قال فيها “نحاول أن نصلح ما يمكن إصلاحه بما نملك، ولو كان قليلاً”. تعكس هذه العبارة الاتجاه الذي يحمل اليوم جزءاً من الأمل في محافظة يتغير وجهها البيئي بسرعة.