في السويداء، لا تحتاج إلى جيوشٍ كي تزرع الطمأنينة.
يكفي أن تفتح “تلغرام” أو أخواتها، وستجد هناك من يخبرك كل بضع دقائق أن كل شيء بخير.
“الأصوات المسموعة لا شيء يدعو للقلق.”
“الوضع تحت السيطرة.”
“شبابنا يتعاملون.”
عبارات قصيرة، مهدّئة، تُلقى بين الرصاص كحبّات مهدّئ جماعي.
لكن السؤال البسيط الذي لا يُسأل: من الذي يكتب هذا؟
من الذي يملك الجرأة ليقول “اطمئنوا” بينما المدينة نفسها لا تنام؟
من أين تأتي هذه الطمأنينة الجاهزة، ومن يفوّضها باسم الجميع؟
كل ما نعرفه أن هذه الصفحات بلا اسم ولا وجه.
لا يُعرف من وراءها، ولا من أين تتغذّى بالمعلومات.
قد يكون شخصاً حسن النية يكتب من هاتفه في الظلام،
وقد تكون جهةٌ مجهولة تكتب بمهارة خبير نفسي.
في الحالتين، النتيجة واحدة: طمأنينة بلا مصدر.
هنا يجب أن نوضح شيئاً أساسياً:
هذا الكلام لا يمسّ رجالنا ومرابطينا في الميدان،
الذين يقاتلون بأيدي الحق، وبنيّة الدفاع عن الأرض والعِرض.
هؤلاء هم أبناء السويداء الحقيقيون،
ولولاهم لكانت فوضى الدم أوسع من أن تُروى.
احترامنا لهم ثابت، لا يُمسّ، ولا يُناقش.
ما نتحدث عنه هو شيء آخر تماماً:
آلة لغوية تعمل في الظل.
صفحاتٌ مجهولة تكرر الخطاب ذاته حتى يصبح نوعاً من الموسيقى الخلفية.
وما تفعله هذه الصفحات يشبه “إدارة القلق العام”،
حيث لا يُسمح لك بالخوف، ولا يُسمح لك بالسؤال.
هل سمعت إطلاق نار؟ لا تقلق، الشباب جاهزون.
هل سقطت قذيفة؟ لا تقلق، الوضع طبيعي.
هل لا تعرف أصل الصوت ولا سببه؟ لا تقلق، فقط أرسل قلباً وإيموجي دعاء.
بهذه الطريقة يتحوّل اللايقين إلى طقس جماعي.
يتحدث الناس لغةً واحدةً من الطمأنينة المعلّبة،
حتى يفقدوا حسّ الخطر، وحسّ الحقيقة معاً.
تصير الحرب خلفية صوتية، والهلع خبراً عادياً،
وتغدو الجملة التي تُكتب لتسكين الخوف أداةً لتكريسه.
نعم، نحتاج للسكينة.
لكن حين تأتي السكينة من حسابٍ مجهول الهوية،
يكتب من مكانٍ لا نعرفه، ويخاطبنا بضمير الجمع،
فربما علينا أن نقلق قليلاً… لا على أصوات الرصاص،
بل على الأصوات التي تخبرنا ألا نقلق.



