في يوم عادي يمكن أن تُرى فرح الحسين وهي تتنقل بين عالمين خلال ساعات قليلة. دفتر محاضرات طب الأسنان ثم دفتر النوتة الموسيقية. معطف الجامعة ثم كمان على الكتف. هذا التداخل ليس تفصيلاً في قصتها بل جوهرها. شابة في العشرين تمشي في مسارين متوازيين وتصر على ألا يلغي أحدهما الآخر. لكن ما يميز فرح اليوم ليس أنها تعزف فقط بل أنها تحاول تنظيم صوت جماعي وأن تمنح الموسيقا معنى يتجاوز الأداء الفردي إلى عمل مشترك له قواعده ومسؤوليته.
بدأت علاقتها بالموسيقا عام ٢٠١٠ حين أمسكت الكمان وهي في الخامسة من عمرها. بعد ثلاث سنوات التحقت بمعهد فريد الأطرش واختارت المسار الكلاسيكي. هناك تعلّمت ما لا يظهر للناس حين يشاهدون حفلة. أن الموسيقا ليست موهبة فحسب بل تدريب يومي وبناء تدريجي للذائقة ومواجهة دائمة مع النفس. تخرّجت عام ٢٠٢٣ وكان يمكن للقصة أن تبقى بسيطة. طالبة تتقن آلة وتستمر في العزف. لكن السؤال بدأ يتبدل مع الوقت. ماذا يحدث حين لا يعود العزف وحده كافياً ومتى تتحول الموسيقا من مهارة شخصية إلى مسؤولية جماعية ومتى يصبح الصوت الخاص جزءاً من صوت أكبر.
في عام ٢٠٢٤ راودتها فكرة تأسيس كورال موسيقي مع فرقة. لم تأت الفكرة بوصفها مشروعاً مثالياً أو حلماً رومانسياً بل كرد فعل على واقع موسيقي شعرت أنه يفتقر إلى التنظيم والجدية. بعد الاطلاع على تجارب لم تكن موفقة بالشكل الكافي قررت أن تجرّب طريقاً آخر. أن تبني نموذجاً مختلفاً بالفعل لا بالكلام والانتقاد.



كانت الخطوة الأولى بسيطة في شكلها ثقيلة في معناها. اتصالات بأشخاص تعرفهم طلاب من المعهد وأصدقاء ومن سبق أن عملت معهم في مشاريع موسيقية متفرقة. في كانون الثاني ٢٠٢٤ تشكّلت الفرقة. لم تكن هناك خبرة كافية في القيادة أو التوزيع الموسيقي ولم يكن هناك دعم مادي من مؤسسات أو جهات راعية. كانت البروفات تُنظّم حسب الإمكانات والجهد تطوعياً بالكامل. وهنا يبدأ الجانب غير المرئي من أي مشروع ثقافي. كيف تبقي الناس متحمسين حين لا توجد ميزانية وكيف تحافظ على انتظام التدريب حين تكون الحياة نفسها غير منتظمة وكيف تُقاس الجدية حين يكون رأس المال الوحيد هو الرغبة.
تصف فرح بداياتها بأنها اتسمت بالفوضى والغوغائية لا لأن الفكرة كانت خاطئة بل لأن العمل الجماعي لا ينهض على الحماسة وحدها. أسئلة متلاحقة كانت تظهر في كل بروفة. ما البرنامج وكيف يُدار هذا العدد وكيف يُوزّع الوقت والجهد ومن يقرر ومن يتابع. وفي قلب هذا الارتباك جرى الاتفاق على محور واضح للبرنامج الأول. أعمال للفنان إياد الريماوي ومن بينها قطعة أوركيديا التي تحولت إلى شرارة المشروع ومنها استُلهم اسم الفرقة. أحياناً تكفي قطعة واحدة لتقول ما لا تقوله الخطط الطويلة. تمنح المجموعة هوية وتوحد المزاج وتضع سكة أولى لرحلة ما.
لكن الاسم وحده لا يبني فرقة. في غياب مدرب صوت مختص ومن دون توزيع واضح للمهام وجدت فرح نفسها تقوم بمعظم التفاصيل. توزيع الأصوات والآلات واختيار القطع وكتابة النوطات. اعتمدت على أذنها الموسيقية وعلى برنامج بسيط في الهاتف المحمول. لم تكن الأدوات احترافية لكن التجربة كانت تختبر فكرة جوهرية. هل يجب أن تتوفر الشروط المثالية قبل أن يبدأ الناس أم أن البداية أياً كانت متواضعة هي التي تخلق الشروط لاحقاً.


في هذا النوع من المشاريع، القيادة ليست مقاماً بل وظيفة يومية. أن تقف أمام عشرات الأشخاص يعني أن تمسك بالإيقاع النفسي للجماعة أيضاً. أن تهدّئ توتراً أو تشجّع صوتاً خجولاً أو تعيد ترتيب توزيعٍ لأن الواقع لا يشبه الورق. القيادة هنا ليست حركة يد في الهواء فقط بل قدرة على تحويل الفوضى إلى نظام قابل للاستمرار. وهذا ما بدأت فرح تتعلمه على الطريق مع كل خطأ وتصحيح ومع كل بروفة تثبت أن الجماعة لا تتحرك إلا إذا شعر كل فرد أنه جزء من بنية واضحة.
مع الوقت وبعد أشهر من التعب والتنقل والبحث عن مكان ثابت للتدريب، بدأ المشروع يلقى احتضاناً عملياً. وفّر مسرح كرتون ومدرسة شمس مساحاتٍ للتدريب وهو ما شكّل دعماً أساسياً على مستوى المكان وسمح باستقرار العمل وتخفيف أحد أثقل الأعباء اليومية. قد يبدو توفير مكان أمراً صغيراً لمن يعيش في ظروف مستقرة لكنه في تجربة تقوم على التطوع والوقت المسروق من الدراسة والحياة يتحول المكان إلى شرط بقاء. المكان الثابت يعني بروفة ثابتة والبروفة الثابتة تعني فرقة يمكن أن تنمو بدل أن تتآكل.
أما أساسيات القيادة الموسيقية فتعلّمتها فرح عبر دورتين تدريبيتين على الإنترنت مع مايسترو من كندا كان قد تبرع بتقديمهما مجاناً خلال فترة الحجر الصحي. لكن ما بعد ذلك لم يكن علماً جاهزاً يُلقّن بل خبرة تُصنع من الاحتكاك. من العمل على التدريبات ومن التعامل مع أصوات متعددة ومن الوقوف أمام مجموعة تنتظر من ينسّقها ويقودها ومن إعادة بناء الثقة كل مرة حين يتعثر الأداء ثم يتحسن.


حتى الآن قدمت الفرقة أربع حفلات في المركز الثقافي وغاليري جذور ومدرسة شمس. ويبلغ عدد أعضائها نحو ثمانين شخصاً بين كورال وعازفين. هذا الرقم لا يعني اتساع التجربة فقط بل يدل على شيء آخر أيضاً. أن هناك رغبة كامنة لدى كثيرين بالعمل ضمن إطار جماعي منظم وأن الحاجة إلى مشروع موسيقي ليست ترفاً، بل شكلٌ من أشكال ترتيب الحياة وإعادة المعنى إلى اليومي.
طموح فرح لا يتوقف عند حدود الحفلات. تفكر بالتوسع وربما بالتوجه نحو مسار أكاديمي أكثر تنظيماً لكنها في الوقت نفسه لا ترى نفسها قادرة على التخلي عن الكمان. بالنسبة لها قيادة الفرق عمل موجّه إلى المجتمع أما العزف فهو شأن شخصي ومساحة للعودة إلى الذات. كأنها تقول إن الإنسان يحتاج إلى مكانين. مكان يشارك فيه الآخرين ومكان يلتقي فيه بنفسه.

وحين تتحدث فرح عن الموسيقا اليوم، لا تتحدث عنها بوصفها فناً فقط. تراها حاجة ملحّة وصلاة، ووسيلة للتواصل مع الله ومع الناس. في مواجهة ما عاشه كثيرون من قتل ودم وموت، تطرح سؤالاً يبدو كأنه بيان غير معلن. كيف نردُّ على ثقافة الموت إن لم تكن لدينا شجاعة إنتاج ثقافة للحياة. بالنسبة لها الجواب يبدأ من الصوت حين يجتمع، ومن الفن حين يتحول إلى فعل بقاء. ليس لأن الموسيقا تُنهي الألم بل لأنها تمنح الناس طريقة ليتنفسوا معاً وأن يتذكروا أنهم ما زالوا قادرين على بناء شيء جميل رغم كل شيء.


