whatsapp image 2025 10 24 at 7.35.18 pm

من يملك شجاعة القول: نعم، جرى ما جرى؟

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




كاريكاتور: فادي الحلبي

ماذا تحتاج المجتمعات بعد المجزرة؟ العدالة؟ ربما. لكن ما تحتاجه أولاً هو أن تُرى، أن يُقال لها: نعم، نعرف ما جرى، وندرك أنكم لم تستحقوه. فالألم الذي يُترك في العتمة يتحوّل إلى غضب، والغضب الذي لا يجد من يصغي إليه ينقلب حقداً. هذا ما احتاجته السويداء بعد المجزرة: كلمة تعيدها إلى خريطة الوطن، لا بياناً ولا نداءً إنسانياً موسميّاً، احتاجت اعترافاً يعيد للضحايا وجوههم ويُعيد للبلاد معناها. لكن الصمت ملأ الفراغ، وحلّ التشويه محلّ التضامن، فبدا الجبل وحيداً في مواجهة وطنٍ اختار أن يدفن ذاكرته قبل أن يدفن موتاه.

في السويداء، لم تكن الحاجة إلى الخبز أو المساعدات، ولكن إلى جملة تُقال من القلب: نحن نعرف ما أصابكم ونقف معكم لأنكم أبرياء لا خصوم. تلك الجملة التي تواسي وتُعيد المعنى كانت، في جوهرها، شكلاً آخر من العدالة حين تغيب المحاكم، وشكلاً آخر من الوطنية حين تغدو الجغرافيا بلا ضمير. الاعتراف هنا ليس حنواً عاطفياً، وإنما موقف أخلاقي وسياسي يرمّم الكرامة المهدورة ويمنح المأساة معناها الإنساني قبل أن تتحوّل إلى رقمٍ في أرشيف الحرب.

هل طلبت السويداء معجزة؟ هل هذا الكلام طوباوي؟ لم تطلب أن يوقف المدنيون “الغزوة”، ولا أن يبدّلوا موازين القوى في الليل. طلبت ما تملكه المجتمعات حين تعجز عن كل شيء: أن تُسمّي المذبحة مذبحة، وأن تُسمّي الضحية ضحية. هذا الطلب، الذي يبدو بديهياً، اصطدم بجدارٍ سميك من الرفض والإنكار والتشويه. هكذا جرى قلب المعادلة: صارت المحافظة التي نزفت تُقدَّم كخصمٍ جماعي، وصار طلابها أهدافاً رمزية يليق بها التأديب، وصار الاعتراف بوجعها تهمة يحتاج صاحبها إلى تبرير.

في السوسيولوجيا البسيطة للانهيارات الوطنية، الاعتراف هو العملة التي تمنع الجماعات من الانزلاق إلى منطق القبيلة. هو الذي يقول للأكثرية: لا تُعيدي إنتاج نفسك كقطيعٍ منتشٍ بالغلبة، ويقول للأقلية: لستم وحدكم، المجتمع لا يسلّمكم لمصيرٍ بارد. لهذا الاعتراف وظيفة مزدوجة: يحدّ من شهوة العقاب عند الأقوى، ويكسر عزلة الأضعف. وما لم يحدث الاعتراف، يتولّد من رحم الصمت جهازٌ آخر: جهاز الشيطنة. تُصنع صورة للضحية كعدوّ في ذاته، تُقتطع من إنسانيته، ثم تُرمى في قاع الكلام العام حيث يسهل الدعس عليها.

هذا الدرس القاسي الذي تعلمناه من السويداء. حين احتاج الجبل إلى كلمةٍ تواسيه، خرجت جوقةٌ واسعة تُزايد على وجعه: مرّةً باسم الثأر القديم، ومرّةً باسم السياسة الواقعية، ومراتٍ باسم دينٍ يُساق إلى حيث لا ينبغي. هكذا تفعل الأكثريات حين تضلّ طريقها: تبني شرعيتها على نفي الآخر، وتحوّل الاختلاف إلى ذريعة للعقوبة، و تستعيض عن الحوار بنبرةٍ مدرسية تُلقي “محاضرة” على من قُتلوا. المفارقة أن المطلوب لم يكن موقفاً سياسياً موحّداً، بل كتلةٌ أخلاقية وازنة تقول “لا للقتل”، “لا للشماتة”، “لا لتطييف المأساة”. لم تأتِ هذه الكتلة، أو جاءت شحيحاً، فبقيت السويداء في حضن وحدتها الثقيلة.

نعم لا يوقف الاعترافُ مجزرةً وقعت، لكنه يمنع مجزرةً مقبلة. الاعتراف يبدّل اللغة التي يُدار بها المجال العام: يمنع تحويل البشر إلى أمثلةٍ إحصائية، ويكسر اللعبة الباردة التي ترى في الدم “رسالة سياسية”. الاعتراف، بعبارةٍ أخرى، يعيد السياسة إلى أخلاقها الأولى: أن تُدار خلافاتنا تحت سقفٍ يحمي الإنسان قبل الرأي. ومن دون هذا السقف، تصبح الأكثريات آلةً لإعادة إنتاج الخوف، وتتحول الأقليات إلى مختبرٍ مفتوح للتجارب القاسية.

السويداء لم تطلب امتيازاً، طلبت الحدّ الأدنى الذي يحفظ معنى الشراكة الوطنية: أن لا يُكافأ القاتل بصمتٍ يبيّض وجهه، وأن لا يُعاقَب الضحية بتأويلاتٍ تتهمه بمقتله. المطلوب كان واضحاً وبسيطاً: أن تخرج أصواتٌ وازنة من داخل الأكثرية ومن عموم السوريين تقول: نعم، جرى هنا انتهاكٌ مروّع. نعم، الضحايا بشرٌ مثلنا، لا لافتاتٌ تُعلّق عليها حساباتنا. نعم، نضع فاصلاً أخلاقياً لا يجوز عبوره. هذا النوع من الأصوات لا يُقاس بعدد اللايكات، وإنما بقدرتها على خلق مناخٍ جديد: أن يجعل الشماتة معرّة، وأن يجعل التبرير خزياً، وأن يجعل الاعتراف معياراً للمروءة العامة.

لكننا رأينا بدلاً من ذلك ما يشبه حملةً ميدانية على المعنى: تدويرٌ لسردياتٍ تُحوّل القتيل إلى متّهم، وتغسل يد القاتل بالتبريرات. رأينا كيف تُستدعى أحداث انتقائية لتبرير المجزرة، وكيف يُصنَّع خطابٌ يقدّم المحافظة كتكوينٍ طائفي مكتفٍ بذاته يستحق “التأديب”. وشاهدنا، مع الأسف، كيف يُستدرج بعض المتورطين في الكلام العام إلى لعبة التنقيط الأخلاقي: هذا يستحق التعاطف لأنه “تصرّف كما ينبغي”، وذاك لا يستحق لأنه “جزء من سياقٍ أوسع”. هكذا تُدار المحاكم الرمزية حين يغيب معيار الكرامة لصالح مقاييس الولاء.

ليست المشكلة في قسوة بعض الأفراد، القسوة موجودة في كل مكان، وإنما في عجزٍ جمعي عن إنتاج تضامنٍ له وزن. فالمطلوب ليس منشوراتٍ فردية بطولية يزول أثرها في اليوم التالي. المطلوب بيانُ ضميرٍ يخرج من هيئاتٍ لها معنى: جامعات، نقابات، أطر دينية وثقافية داخل الأكثرية نفسها، يقول ما يجب أن يُقال بلا تلعثم. أن تعلن مدارسُ وجوامعُ ونوادٍ ومجالسُ أهليةٌ أن الاعتراف واجب، وأن الشَّتم سياسةٌ رخيصة، وأن شيطنة السويداء جريمةٌ ثانية. التضامن، كي يكون فعّالاً، يحتاج شكلاً اجتماعياً، لا مجرد انفعالاتٍ صالحة لتبديل الصورة الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

والاعتراف ليست له جهة واحدة، هو امتحانٌ عام. أبناء السويداء أنفسهم أظهروا أن نقد الذات ليس خيانةً ولا “غسيل عارٍ على الحبل”. كثيرون منهم سمّوا الانفلات باسمه، رفضوا شعارات التطرّف، اعتذروا حين لزم الاعتذار، وأعلنوا أن الجبل ليس سوطاً على أحد. هذا ما يعطي الاعتراف قيمته: أن يكون متبادل. فكما يُطلب من الأكثرية أن تضع حدّاً لخطاب الإلغاء، يُطلب من كل جماعةٍ أن تضع حدّاً لمن يجرّها إلى قعرها. الاعتراف ليس مديحاً متبادلاً، بل عقداً يضبط اللغة والسلوك.

عملياً الاعتراف معناه أيضاً موقفٌ واضح من أدوات الشيطنة: تسمية حملات التحريض باسمها، وقف خطاب “التأديب الرمزي” للطلاب والناشطين، رفض تحويل الجامعات إلى ساحات لتصفية حسابات طائفية، التشديد على حماية الحق في التنقل والعمل والتعليم لأبناء المحافظة بلا قيدٍ أو شرط، إعادة القرى المحتلة لأهلها. الاعتراف، إن شئنا الدقة، هو تقنينٌ للإنسانية في أبسط شؤونها، قبل أن يكون خطابةً عالية السقف.

سيقول قائل: هذا مثاليٌّ في زمنٍ شرس. والجواب: الواقعية الحقيقية اليوم هي الواقعية الأخلاقية. الواقعية التي تعرف أن كلفة صمت الأكثرية أعلى من كلفة كلمةٍ تُقال في وقتها. الواقعية التي تفهم أن مجتمعاً لا يعترف بضحاياه مجتمعٌ يُحضّر لضحاياه القادمين. الواقعية التي تدرك أن سوريا الممزقة لا تُخاطب بشعارات الدولة القوية، ولكن بترميمٍ دؤوبٍ لمعنى الجوار، لحقّ المختلف أن يبقى مختلفاً من دون أن يصبح هدفاً.

لهذا كلّه، كان ينبغي أن تقوم “كتلة الاعتراف” من داخل الأكثرية ومن خارجها، لا كاستثناءاتٍ نبيلة بل كتقليدٍ جديد. تقليدٌ يُقاس به الناس والهيئات: أين كنتم حين احتاج الجبل إلى كلمة؟ ماذا فعلتم لتمنعوا اللغة من الانزلاق إلى حلبة الدم؟ كيف وضعتم مسافةً أخلاقية بينكم وبين المحرّضين باسمكم؟

السويداء ليست امتحان السويداء وحدها، هي امتحان الجميع. إمّا أن ننجح في ابتداع لغةٍ تحمي الضحية من النسيان، أو سنواصل تربية جلادينا على أكتافنا. الاعتراف ليس رفاهيةً أدبية، هو مؤسسة نجاة. ومن دونها، سنبقى نعيد كتابة المأساة بفصولٍ جديدة، نبدّل الضحايا والجلادين، ونحافظ على الواقع كما هو: وطنٌ بلا ضمير.