1

حبق ناس: نَفَسٌ يعود إلى المدينة

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




في المساء الذي امتلأ فيه مسرح كرتون بسرعة غير متوقعة، لم يكن الجمهور يبحث عن عرض مثالي بقدر ما كان يبحث عن إشارة حياة. ضوء خافت، أصوات تتدرّب في الكواليس، فرق تصعد بلا ترتيبات طويلة، وضحك يتسرّب من المقاعد الأولى إلى آخر الصفوف. بدا المكان كأنه رئة تُجرّب الشهيق من جديد.

«حبق ناس» ليست مساحة، بل مبادرة فرعية من تجمع حبق تعمل على ما يحدث وجهاً لوجه لا على الشاشات. عنايتها الأولى باللقاء البشري الحقيقي. بعلاقات الثقة بين الناس والمساحات. بربط المعارض والمقاهي والمسارح وغرف العرض بحيث يتجاور الفن مع الحياة اليومية. المبادرة ترافق الفنانات والفنانين شخصياً، تفرح لتقدّمهم، وتقدّم دفعاً معنوياً خفيفاً يسهّل العمل ويقلّل كلفته.

في «ملتقى كرتون» وُلدت التجربة من قرار سريع. يوم واحد للتحضير، وفي اليوم التالي امتلأت القاعة. حضرت فرق لم تُدع مسبقاً وقدّمت فقرات قصيرة. هذه العفوية كانت مقصودة. «مسرح كرتون» يقود من داخل مساحته. حبق ناس تشبّك وترافق من موقعها. لاحقاً انضمّت مبادرة «السويدا عمراني» لدعم الإنتاج والتنظيم. والنتيجة كانت إيقاعاً مشتركاً يذكِّر بأن التعاون ليس شعاراً، بل عادةٌ تُصنع بالتكرار.

من أجمل ما حدث أنّ الفعالية أصبحت تحمل أكثر من شعار. في السويداء لم يكن هذا مألوفاً دائماً. عند البعض قد يبدو ازدحاماً بصرياً. لكن هنا كان العكس. تعدد الشعارات كشف توزيع الأدوار علناً. مسرح يقود فنياً. مبادرة مجتمعية تيسّر وتربط. جهة محلية تدعم التنفيذ. ليس هناك جهة واحدة تستحوذ على المشهد. هناك شبكة تُرى وتُسمع. عندما تلتقي الشعارات فوق منصة واحدة يفهم الناس أن العمل العام أوسع من اسم وأن المدينة يمكن أن ترتّب طاقاتها دون أن تُذيب اختلافاتها.

كل هذا الفرح يحدث بينما الحزن حاضر. آلاف العائلات في حالة حداد. عائلات أخرى تنتظر خبراً عن مغيّبين لم يعودوا بعد. آلاف أُجبروا على مغادرة بيوتهم ولا يستطيعون الرجوع. لا تتجاهل هذه الأمسيات هذا الواقع، بل تُقيّمه في الخلفية كحقيقة لا تُلغى. تُترَك مساحة للصمت بين أغنية وأخرى، وتُذكَر الأسماء بحنان، ويتبادل الناس نظرات يعرفها من عاش الفقد. الفن هنا ليس زينة. هو طريقة للتنفس، وسببٌ صغير للجلوس معاً بأمانٍ ساعةً إضافية في يوم طويل.

لذلك تميل الترتيبات إلى البساطة. معدات قليلة، وقت قصير، قرارات سريعة. وما يعوّض كل ذلك هو القرب. اتصال مباشر بين من على الخشبة ومن في الصف الأول. حديث جانبي بعد انتهاء الفقرة. مقترح يخرج من الجمهور ويتحول في الأسبوع التالي إلى مشاركة فعلية. بهذه الوتيرة تتشكل عادات تعاون. ويصير المسرح بيتاً واسعاً يدخله الناس بسهولة ويخرجون منه مبهورين بالبساطة لا بالمبالغة.

المبادرة الداعمة (حبق ناس) لا تدير المساحات ولا تتدخل في خصوصياتها. بل تحفظ استقلاليتها، وتقترب حين يُطلب منها لتسهيل الربط، أو لفتح بابٍ أمام موهبة جديدة، أو لتأمين دعم معنوي يمنح الفعالية دفعة الانطلاق. النجاح هنا ليس رقماً في تقرير. النجاح أن تعود الوجوه نفسها في الأسبوع التالي ومعها وجوه جديدة. أن يجد فنّان شاب مسرحاً يجرّب فيه لأول مرة. النجاح أن تتعرّف مساحة على مساحة أخرى جارة لها، وتقرّرا أن تشتغلا معاً.

ومثلما بدأ «ملتقى كرتون» بموسيقى ومسرح، تتهيأ المدينة لنمط جديد من اللقاءات. خلال الأسابيع المقبلة تتجه “حبق ناس” إلى ورشات فنية وأمسيات مفتوحة ومشاريع مشتركة تزيد من حضور الفعل الثقافي على الأرض. يتّسع المشهد ليشمل التعاون مع مساحات مختلفة، ومع مبادرات صغيرة تحاول أن تجد مكانها. كل ذلك مع إبقاء البوصلة إنسانية وبسيطة. لا استعراض ولا إثقال بالمصطلحات.

في السويداء اليوم تتجاور أشياء كثيرة. شوارع تحمل أثر العنف. بيوت تنتظر عودة أهلها. ومقاعد مسرح تمتلئ مساء الجمعة. ليست مفارقة. هو المشهد كما هو. مدينة تتمسك بفكاهتها وصلابتها وإيقاعها الخاص، وتجرّب أن تكتب معنى جديداً لكلمة “مجتمع”. بين الأغنية والضحكة والفقرة القصيرة، ينساب هواء خفيف. هواء يكفي ليقول إن الحياة لا تزال هنا، وإن التعاون ممكن، وإن أجمل ما يحدث الآن أنّ الناس تتقاسم المنصة كما تتقاسم المسؤولية، وأن تعدّد الشعارات ليس ازدحاماً بل وعدٌ بأن نكمل الطريق معاً.