دانيال

دانيال الحرفوش: حين يتحوّل الصوت البشري إلى آلة شرقية كاملة

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




حين غادرتُ سوريا عام ٢٠١٢ كمغني أوبرا، بسبب الثورة وتحوّلاتها، كنت أظن أن علاقتي بالغناء الكورالي ستبقى معلّقة بين مسارح بعيدة وذكريات مدن لم أعد أعيش فيها. بعد سنوات من الغياب عدت إلى السويداء، مدينة متعبة ومحاصرة، ولم أتوقع أن أجد فيها مشروعاً موسيقياً يجرّني من جديد إلى صف الباص في كورال، ولكن بروح مختلفة تماماً عما عرفته.

الشخص الذي قلب هذه المعادلة هو دانيال الحرفوش. شاب هادئ في حضوره، عنيد في بحثه، مشغول عملياً بسؤال واحد بسيط وخطير في الوقت نفسه: ماذا يمكن أن يفعل الصوت البشري إذا عاملناه كآلة شرقية كاملة، من دون أي مرافقة آلية، ولا حتى ضربة إيقاع واحدة؟

من هذا السؤال وُلد كورال “أوروس” وتجربة “الأكابيلا الشرقية”. واليوم لا أكتفي بأن أحاور دانيال، بل أجد نفسي واحداً من أصوات الباص في هذا الكورال الذي استدرجني إليه بهدوء، ثم فتح لي باباً لم أكن أتوقع أن أعود إليه.

هذه محاولة لرواية قصة هذا المشروع كما أراها وأعيشها، من الفكرة الأولى إلى التفاصيل التقنية، ومن علاقتنا بالتراث إلى الأسئلة المفتوحة على المستقبل.

البدايات، شرارة عفوية تحوّلت إلى مشروع فكري

يحكي دانيال أن الفكرة لم تولد من خطة مدروسة، بل من رغبة بسيطة في البداية: أن نعمل شيئاً للسويداء، كورال مرتبط بالمكان والناس. ثم ظهر السؤال الجوهري في الطريق: لماذا لا يكون هذا الكورال أكابيلا بالكامل، بروح شرقية صريحة؟

الأكابيلا معروفة في العالم كغناء يعتمد كلياً على الأصوات البشرية من دون آلات. لكنها غالباً مطبقة في سياقات غربية، من الجاز والغوسبل إلى الكورالات الكلاسيكية. ما كان ينقص هو أن تُجرَّب الفكرة داخل الإطار الشرقي، مع المقامات والأرباع والزخارف، ومع الإحساس الذي نحمله في آذاننا في هذه المنطقة.

يقول دانيال إن جوهر الفكرة يقوم على إيمان بسيط: كل شيء في الموسيقى يعود في النهاية إلى الصوت البشري. الكونترباس/التشيللو امتداد لصوت الباص، الفيولا امتداد للتينور أو الألتو، الكمان امتداد السوبرانو أو الميتزو سوبرانو. في “أوروس” تعود الأمور إلى أصلها، الأصوات نفسها تؤدي أدوار الآلات، من غير وسيط.

وأبعد من ذلك، يمكن النظر إلى الموسيقى كلها على أنها بدأت من تقليد الإنسان لأصوات الطبيعة من حوله، للريح والماء والطيور وصوت الجماعة. في هذا المعنى، أوروس ليست “زينة كورالية”، بل محاولة للعودة إلى هذا الجذر، ولكن بلغة المقام الشرقي في زمننا الحالي.

خمس طبقات على طريقة أوروس

تقليدياً، تعمل الكورالات على أربع طبقات أساسية: سوبرانو، ألتو، تنور، باص. في أوروس، هذه الطبقات ليست سقفاً، بل نقطة انطلاق. الطبقة الخامسة ليست خانة ثابتة، بل مساحة تجريب تتغير من عمل لآخر.

في إحدى الأغاني الطريفة المنسوبة إلى فارس هلال، قرر دانيال أن يبتعد عن الخيار المعتاد في توسيع عدد الأصوات، أي مضاعفة السوبرانو أو التنور، واختار أن يجرّب ما هو نادر جداً في عالم الكورالات: وجود صوتين في العمق، باص ودَبِل باص بشري أوطى وأثقل.

في هذا العمل مثلاً يصبح توزيع الأصوات: سوبرانو، ألتو، تنور، باص، دَبِل باص. هذا القرار لا يضيف ثقلاً أسفل فقط، بل ينقل مركز الجاذبية إلى العمق. المنطقة المنسية عادة في الكورالات تتحول هنا إلى ساحة حركة حيّة، تتحرك فيها الجمل ويُبنى فوقها كل شيء.

من يحتكر اللحن؟ رد اعتبار لأصوات الباص

من موقعي كمغنّي باص، أعرف جيداً الإحساس بأن تكون “الأساس الذي لا يُرى”. في أغلب التوزيعات الكلاسيكية يحتكر السوبرانو غالباً اللحن، بينما تُترك الأصوات الأخرى في وظيفة الدعم وحمل الهارموني.

في أوروس، هذا المنطق يُكسَر عمداً. في العمل نفسه الذي يبدأ بدَبِل باص، ينطلق اللحن الأساسي من أعمق نقطة في الطبقات، بدلاً من أن يبدأ في الأعلى. ثم يبدأ بالتنقل بين الأصوات صعوداً وهبوطاً.

هذا ليس مجرد استعراض تقني، بل موقف فني واضح: لا توجد طبقة “أعلى شأناً” فنياً من غيرها. طبقة الباص ليست محكوماً عليها أن تبقى خلف الستار، بل من حقها أن تمسك بالميلودي، أن تكون في الواجهة، وأن تستلم الجملة التي تلتصق بأذن المستمع.

بهذه الطريقة يتحول الكورال من هرم ثابت إلى شبكة حية. كل صوت مرشح أن يكون في المقدمة، وكل طبقة مدعوة لأن تحمل الفكرة ولو لثوانٍ.

كيف يعمل الهارموني في عالم الأرباع؟

السؤال التقني الأصعب الذي أسمعه وأشارك فيه هو: كيف يمكن بناء هارموني كورالي منظم داخل مقامات تحتوي على أرباع تون، من دون أن يتحول الأداء إلى فوضى يصعب إنضباطها؟

في عمل دانيال يوجد مبدأ عملي واضح يحكم بناء الهارموني:

أولاً
الكوردات نفسها تُبنى غالباً من علامات طبيعية، من دون إدخال ربع التون إلى بنية الكورد. ربع التون يُترك للميلودي، أو لصوت واحد محدد، بحيث لا تنتشر الأرباع على جميع الأصوات وتُغرق السمع في تشويش.

ثانياً
في مقام مثل البيات مثلاً، حيث تظهر علامة “مي نصف بيمول”، يمكن أن تُعامل هذه العلامة كمحور ميلودي مهم، لكن الكورد المستخدم يُبنى غالباً على تركيبة طبيعية مثل: ري، صول، لا. بهذا الشكل تبقى المي نصف بيمول حاضرة في الصوت، بينما ييقى الهارموني نفسه واضحاً وقابلاً للغناء بسهولة نسبية.

النتيجة أنّ المقام الشرقي لا يُمسخ ولا يُسطَّح، بل يُستخدم بذكاء. الأرباع تبقى جزءاً من هوية الصوت، ولكن من دون أن تتحول إلى عبء يجعل الغناء الكورالي مستحيلاً.

جمهور مندهش وموسيقيون فضوليون

على مستوى الجمهور العام، رد الفعل الأكثر تكراراً يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: الاندهاش. السؤال الذي نسمعه كثيراً هو: “كيف خطر لكم أن تستخدموا فقط أصوات بشرية في عمل تراثي؟”

الناس معتادة أن تسمع هذه الألحان وسط عود وقانون وكمان وإيقاع. عندما تختفي الآلات ويبقى الصوت وحده، يفرغ المجال أمام الأذن كي تسمع تفاصيل لم تكن تلتقطها سابقاً: كيف يتنفس الكورال، كيف تتقاطع الطبقات، كيف يتحرك اللحن بين العمق والحدة.

في أحد التوزيعات، تُقسَّم التيمة الأساسية بين صوتين، ثم يبنى فوقهما خط للألتو لا يكرر اللحن، بل يكمله ويعارضه أحياناً. النتيجة أشبه بلوحة فسيفساء من زجاج ملوّن، لا يمكن فصل قطعها بسهولة، لكنها لا تذوب في بعضها أيضاً.

أما الموسيقيون فينتقلون مباشرة إلى الأسئلة الدقيقة: كيف يتحرك الهارموني من التونيك إلى الدوميننت ثم العودة؟ كيف يبقى المقام واضحاً رغم استخدام منطق هارموني قريب من المدرسة الغربية؟ كيف تضبط الأصوات كل هذه التفاصيل من دون دعم آلة تثبت المرجع النغمي طوال الوقت؟

في الإجابة، يعود دانيال دائماً إلى فكرة أن الجملة تُعامل كما في التوزيع الطبيعي، مع محطات وسطى يفرضها المقام وطبيعة العمل، ولكن التنفيذ يتم هنا بأصوات بشرية فقط، موزعة على خمس طبقات، تتقاسم الطريق.

في الأفق، فيروز بالكورد، وكردية بلا تعريب

حين أسأل دانيال عن المشاريع المقبلة، لا يخرج لائحة نهائية، بل يذكر اتجاهات وأفكاراً قيد التجريب. من بينها حالياً:

  • ترنيمة للسيدة فيروز، قيد الدراسة، الهدف فيها ليس تقليد الأصل، بل تخيّل كيف يمكن لصوت فيروز الروحي أن يُسمع ضمن صيغة أكابيلا شرقية، بصوت جماعي لا يفقد رهافة اللحن.
  • مقطوعة من التراث الكردي، تُغنّى بالكردية كما هي، بلا تعريب، على أن يؤديها كورال أوروس بلغتها الأصلية، مع احترام الإيقاع والنطق والروح.

هذه الأمثلة تقول شيئاً واضحاً: المشروع لا يرى في اللغة عائقاً، بل طبقة إضافية من اللون. كلمة “شرقي” هنا لا تُستخدم كحدّ جغرافي ضيق، بل كمساحة صوتية واسعة تمتد من جبل العرب إلى الجزيرة وكردستان والساحل والمدن الداخلية.

الكورال كمختبر طويل الأمد لا كحفل عابر

في النهاية، كيف يرى دانيال كورال “أوروس” كمشروع عام في السنوات القادمة؟

هو لا يتعامل معه كوحدة حفلات، بل باعتباره مختبراً مفتوحاً. تركيزه اليوم ينقسم إلى مسارين واضحين:

أولاً: جودة الأعمال والتوزيع
اختيار مواد غنائية تستحق التعب، كتابتها من جديد للأصوات، توسيع المقامات المستخدمة بعد تجربة طويلة مع مقام البيات كنقطة انطلاق، والبحث دائماً عن أفكار “غير مريحة” بما يكفي لدفع التوزيع خطوة إلى الأمام.

ثانياً: بناء منهج تدريبي للصوت والكورال
العمل على تمارين صوتية وكورالية تسمح للمغنين أن يخرجوا من الأطر التعليمية التقليدية، لكن من دون الوقوع في الفوضى. الهدف أن يصبح المغني قادراً على التعامل مع الهارموني، مع حركة الميلودي بين الطبقات، ومع حضور الأرباع واختفائها، بطريقة سلسة وفطرية، ليست ميكانيكية ولا مرتبكة.

في عمق هذا كله، توجد رغبة واضحة: نشر مفهوم “الأكابيلا الشرقية” في فضاء الكورالات، كطرح جدّي لا كفكرة غريبة. إثبات أن الصوت البشري وحده، مع الموروث العربي والشرقي من العراق إلى الشام إلى سائر مناطق المنطقة، يكفي لبناء عالم موسيقي معاصر، لا يقل تعقيداً ولا جمالاً عن أي تجربة أوركسترالية متقدمة.

وأنا، مكسيم أبوذياب، الذي خرج من سوريا كمغني أوبرا وعاد ليقف في صف الباص بين أصوات أوروس، أستطيع أن أقول بهدوء إن ما يحدث هنا ليس مجرد ولادة كورال جديد، بل محاولة لإعادة ترتيب علاقتنا بأصواتنا وبتراثنا، على مهل، وبصوت جماعي واحد، متعدد الطبقات.