يقدّم جميل البنّي نفسه ببساطة واضحة: شاب في الحادية والعشرين من عمره، يدرس هندسة المعلوماتية في نظام التعليم المفتوح، ويحلم بأن يكون تطوير الألعاب مهنته الأساسية، لا مجرد هواية جانبية. بالنسبة إليه، “تطوير الألعاب” ليس نشاطاً تقنياً بارداً، بل مساحة يلتقي فيها الخيال بالسرد والتقنية، ليولد منها عالم جديد يمكن للآخرين العيش داخله لبضع ساعات، وربما التأثر به لسنوات.
البدايات: من محاولة مبكرة إلى قرار حاسم
بدأت علاقة جميل مع تطوير الألعاب في سن المراهقة، حين جرّب للمرة الأولى العمل على محرّك Unity. يصف تلك التجربة بأنها “اندفاعة مراهِق” دخل بكل حماس إلى عالم معقّد، ثم تراجع سريعاً أمام حجم الصعوبات وقلة الخبرة. بعد ذلك، انشغل بالدراسة إلى أن أنهى مرحلة البكالوريا، ليجد أمامه أخيراً وقتاً يسمح له بالعودة إلى شغفه الأول.
في تلك اللحظة، تحولت الفكرة في ذهنه إلى معادلة واضحة:
هواية + شغف = طموح مهني.
من هنا اتخذ قراراً شخصياً حاسماً: حتى لو بقيت الظروف صعبة، لا يريد أن يمرّ في هذا المجال من دون أن ينجز على الأقل لعبة واحدة يضع عليها اسمه. لا يريد أن يبقى مجرد “حالم بتطوير الألعاب” من دون أثر ملموس.
يرى جميل أن دراسته في هندسة المعلوماتية ليست منفصلة عن تطوير الألعاب، بل تتقاطع معه في أكثر من مستوى، من الجبر الخطي إلى المنطق والبرمجة وبناء الأنظمة. بالنسبة إليه، كل مساق جامعي يمكن أن يتحوّل إلى أداة إضافية داخل “صندوق أدوات” مطوّر الألعاب.

من الجامعة إلى “حبق جيكس” و”سوبر خويّة”
تعرف جميل على مشروع “حبق جيكس” عبر والده، الذي دعاه لحضور أحد الاجتماعات. هناك التقى بالفريق وتعرّف إلى الأسماء الفاعلة في المجموعة، ثم سمع لأول مرة عن لعبة “سوبر خويّة” وفكرتها بوصفها محاولة لصياغة روح الجبل المعاصرة في قالب لعبة فيديو.
شدّته الفكرة فوراً، لأنها تلتقي مع ما يؤمن به حول دور الألعاب في التعبير عن الهوية والسرديات المحلية. لم يرَ نفسه مجرّد مشارك تقني، بل شخصاً يمكنه أن يضيف عنصراً حقيقياً إلى المشروع. بدأ أولاً بالإشراف على خادم ديسكورد وتنظيم العمل هناك، ثم صار جزءاً ثابتاً من الاجتماعـات والتخطيط، وشعر تدريجياً أن مكانه الطبيعي هو وسط هذا الفريق الذي يحاول أن يصنع شيئاً جديداً انطلاقاً من السويداء.
ما هي اللعبة في جوهرها؟
حين يُسأل جميل عن “هدف اللعبة” أو “ما الذي يجعل لعبة ما تستحق أن تُصنع وتُلعَب؟”، يجيب بحزم:
اللعبة أولاً وأخيراً وسيلة لحكاية قصة.
بالنسبة إليه، كل ما في اللعبة من أصوات، ورسوميات، وميكانيكيات لعب، هي أدوات لخدمة السرد. الهدف الأعمق هو أن يدخل اللاعب عالماً له روح وقيمة، لا أن يجمع نقاطاً أو يشتري عناصر افتراضية بلا معنى حقيقي.
نقد الصناعة الحالية: الحيتان تبتلع الإبداع
يرى جميل أن الشكل السائد لصناعة الألعاب اليوم، كما تقوده الشركات الضخمة، يهدد الإبداع في العمق. يتحدث عن “الحيتان” مثل بعض الناشرين الكبار الذين حوّلوا الألعاب إلى منصّات استنزاف مالي مستمر، عبر المشتريات داخل اللعبة والأنظمة المبنية على الدفع المتكرر مقابل شخصيات أو ميزات.
يستخدم مثالاً واضحاً من ألعاب AAA: عندما يضطر اللاعب لدفع مبلغ إضافي كي يحصل على شخصية أيقونية مثل دارث فايدر في إحدى ألعاب Battlefront، فهو لا يعيش قصة الشخصية ولا يختبر مسارها الدرامي، بل يشتري قوّتها الخارقة داخل المباراة. تتحول الشخصية من حامل لسردية عميقة إلى “سلعة رقمية قوية” ضمن نظام منافسة قصير الأمد.
في المقابل، يثمّن جميل نموذج الألعاب المستقلة “الإندي”، حيث يدفع اللاعب مرة واحدة مقابل لعبة تمنحه قصة مؤثرة وتجربة كاملة تحمل روحاً واضحة، من دون أن تُبتز عاطفته أو محفظته بعد الشراء. هنا يشعر أن جوهر اللعب ما يزال حياً.
القصة كطبقات متعددة: من “شوشانك ريدمبشن” إلى الألعاب
يستحضر جميل فيلم “The Shawshank Redemption” مثالاً على العمل الفني الذي لا يُستنفد من المشاهدة الأولى. كل مرة يعيد فيها مشاهدة الفيلم يجد طبقة جديدة: بعداً إنسانياً، دينياً، سياسياً، أو اقتصادياً. هذا النوع من الأعمال يفتح مساحات للتأمل وإعادة القراءة.
يتمنى جميل أن تحقق الألعاب شيئاً مشابهاً: أن تكون قادرة على ملامسة اللاعب في أكثر من مستوى، وأن تمنحه تجربة يمكن أن يعود إليها بعد سنوات ليجد فيها شيئاً مختلفاً عما رآه في المرة الأولى. هنا، برأيه، يظهر “ذكاء المطوّر” وقدرته على بناء عالم متعدد الأبعاد لا ينتهي عند انتهاء جلسة اللعب.
هل هناك أمل في هذه الصناعة؟
رغم نقده الحاد لسياسات الشركات الكبرى، لا يرى جميل أن صناعة الألعاب تسير نحو الموت، بل يصرّ على وجود أمل حقيقي ما دام هناك أشخاص شغوفون يصرّون على صنع ألعاب تحترم اللاعب وقصته.
يرى أن أي مجال يضمّ بشراً حقيقيين يحملون شغفاً حقيقياً لا يمكن أن ينطفئ تماماً، حتى لو تقلّص إلى حجم “بذرة كيوي”. يكفي أن تبقى هذه البذرة حيّة، لتعود وتنبت في الجيل التالي من المطورين واللاعبين.
لعبة جميل القادمة: Wally’s Pipe Company
لا يكتفي جميل بالحديث النظري عن صناعة الألعاب وهويتها، بل يعمل فعلياً على لعبته الخاصة التي يعتزم نشرها قريباً تحت عنوان Wally’s Pipe Company.
هي لعبة رعب مستقلة بطابع صناعي خانق تتمحور حول إدارة الأنابيب في بيئة مغلقة وقاسية. يجد اللاعب نفسه عالقاً “بملء إرادته” داخل حجرة محكمة الإغلاق، يحاول فيها التحكم بضغط الأنابيب والصمود لأطول فترة ممكنة من أجل البقاء على قيد الحياة.
عالم اللعبة مغمور بالخطر والقذارة ومواد تغذي الكوابيس. يتلاعب اللاعب بأخطار لا يعرف حتى بوجودها، وسط شبكة من الأنابيب التي لا يبدو أنها تؤدي إلى أي مكان واضح، بينما يعلو فوق كل ذلك حضور مدير تنفيذي متحرش يدعى والي، لا يتوقف عن الصراخ في وجهك لأنك لا “تتنفس بالطريقة الصحيحة”. هذه المفارقة بين العمل اليومي الممل والرعب المكتوم تجعل التجربة أقرب إلى كابوس صناعي يبدو، بسخريته السوداء، أشبه بحلم سيئ لا ينتهي.
يدعو جميل المهتمين بألعاب الرعب المستقلة إلى متابعة رحلة تطوير اللعبة ومشاهدة العرض التشويقي الرسمي عبر صفحة اللعبة على itch.io:
صفحة Wally’s Pipe Company على itch.io
أفضل خمس ألعاب في نظره
حين يُطلب منه أن يختار “أفضل لعبة على الإطلاق”، يرفض الإجابة المباشرة ويعتبرها مهمة شبه مستحيلة، لكنّه يقدّم قائمة تقريبية لأكثر الألعاب تأثيراً في تجربته:
- ألعاب الروغلايت، وخصوصاً Hades
يحب فيها إمكانية إعادة اللعب بشكل متكرر، وما تتيحه من حالة “طحن” تقدّم شعوراً دائماً بالتطور، مع وجود قصة جذابة وشخصية رئيسية قريبة من القلب هي زاغرياس. - Valiant Hearts
لعبة تحكي قصة جندي بريطاني تطوع في الحرب العالمية الأولى، واكتشف لاحقاً أن قائده يقوده وجنوده إلى عملية انتحارية، فيختار قتله ويدفع حياته ثمناً لذلك. يصفها جميل بأنها لعبة تمسّ القلب بعمق وتعيد طرح أسئلة الأخلاق والحرب. - This War of Mine
لعبة تضع اللاعب في قلب حرب يعيشها من منظور المدنيين، لا الجنود. تركز على سيكولوجيا الإنسان تحت الحصار، وعلى الخيارات القاسية التي قد يضطر لاتخاذها. بأسلوب ٢D بسيط، لكنها تقدّم تجربة نفسية وإنسانية معقدة. - Darkest Dungeon
هنا يتقمص اللاعب دور المدير الذي يستأجر أبطالاً مرتزقة لمواجهة وحوش أُطلقت من أعماق الأرض. القيمة الأساسية في اللعبة، برأيه، هي الاختبار الأخلاقي المستمر: إلى أي حد يمكن التضحية بشخصياتك من أجل التقدم في القتال؟ أين تقف حدود الإنسانية داخل منظومة “اللعب”؟ - سلسلة Dishonored (كورفو والأوتسايدر)
يحب فيها سرعة الإيقاع، والأكشن، والقدرات الخارقة، وشعور الحرية في الحركة واتخاذ المسارات المختلفة. القصة ليست الأعمق في قائمته، لكنها تقدّم عالماً جذاباً وشخصيات قوية، مثل شخصية الأوتسايدر الذي يمنح البطل قوى استثنائية.
ختام
بين الدراسة والواقع اليومي، وبين انشغالات الشباب في مدينة محاصرة بالأسئلة والأزمات، يصرّ جميل البنّي على أن يحجز لنفسه مكاناً داخل عالم تطوير الألعاب، ولو بدأ الأمر من لعبة واحدة فقط. بالنسبة إليه، صنع لعبة صادقة تحترم اللاعب وقصته أهم بكثير من ملاحقة موضة الربح السريع.
في قلب هذا التوتر بين “حيتان الصناعة” و”بذور الشغف الصغيرة”، يختار جميل أن يقف إلى جانب الحكاية، وأن يدافع عن حق اللعب في أن يبقى فناً، لا مجرد سوق ضخمة لبيع الشخصيات والأزياء والأسلحة الافتراضية.


