ab2a5d9e cc0a 4838 a743 e6136bebedd6

الكورال في السويداء كطقس للتعافي الجماعي

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




في الأشهر التي تلت تموز الأسود والانتهاكات التي ضربت السويداء، بدا أن المدينة تدخل مرحلة جديدة من علاقتها بالحياة اليومية، بالذاكرة، وبالصوت نفسه. 

في شوارع تكتظ بالأسئلة الثقيلة، وفي فضاء اجتماعي مثقل بالفقد والخذلان، ووسط شعور جمعي بالانقطاع، ظهرت المبادرات الموسيقية التي نظّمتها مبادرات مختلفة وناشطين مدنيين كنوعٍ من الاستعادة الهادئة للمدينة و ناسها. كورال جماعي، غناء كلاسيكي، حضور لموسيقى الـ Funk، وأداءات فردية على المسرح.


تنوّعٌ بدا لأول وهلة فنياً، لكنه في العمق كان فعلاً ثقافياً وسياسياً ونفسياً معاً.

تبدو علاقة الموسيقا بالإنسان في لحظات الانهيار الجماعي علاقة متوتّرة بطبيعتها، تنوس بين الضرورة والاستحالة، بين توق الإنسان إلى صوتٍ يلمّ شتات التجربة، وخوفه من أن تصبح النغمة مجرّد ترفٍ أو تزويقٍ لوجع لا يمكن احتواؤه. فحين تتوالى المجازر، وينهار الإحساس بالعالم المشترك، يدخل الإنسان في ما يشبه «منطقة العتمة» التي تتراجع فيها قدرة اللغة على قول الحقيقة أو احتضان الألم. 

هنا بالتحديد يبرز أحد الأسئلة المطروحة: هل ما زال ممكناً للفن، والموسيقا تحديداً، أن يعبّر تعبيراً حقيقياً عن الإنسان بعد أن يتعرض لعنفٍ جذريّ يبدّل معنى حياته؟

هذا السؤال، الذي طُرح بحدة في فلسفة أدورنو سابقاً بعد المحرقة، لا يتعلّق بالمحرقة وحدها، بل بكل سياق تُرتكب فيه جرائم تُقوِّض إمكانية الحياة الأخلاقية. 

ما حصل في السويداء، بمجازرها، وبالانهيار الشامل لثقة الناس بالسلطة الانتقالية التي يفترض بها أن تحميهم، يعيد إحياء هذا السؤال، فالتجربة هنا ليست حدثاً سياسياً فحسب، بل هي لحظة كاشفة عن الكيفية التي يُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الصوت والصدمة، بين الذاكرة والموسيقى، بين الجماعة وروايتها للعالم، الموسيقى كـ”لغة داخلية”: محاولة لقول ما لا يُقال.

في أوقات العنف، يفقد الإنسان مركزه، وتفقد الكلمات توازنها، لذلك يبحث كثيرون عن الموسيقا باعتبارها مساحة يتراجع فيها اضطراب اللغة، وتُفتح فيها إمكانيةٌ للتماسك الداخلي، لكن هذا الدور ليس تلقائياً ولا مضموناً، فكما تشير دراسات الصدمة الحديثة، خصوصاً لدى كاثي كارث ودومينيك لاكابرا، فإن التجارب القصوى لا تُعاش مرة واحدة ثم تُروى ببساطة، بل تبقى «أحداثاً مؤجَّلة» لا تستقر في الوعي إلا عبر وسائط قادرة على استقبال ما تعجز اللغة عن الإمساك به، هنا تحديداً تظهر الموسيقا كوسيطٍ استثنائي، لأنها لا تعتمد على التصريح، بل على الإيقاع، على النبرة، وعلى ما لا يُقال. 

بإمكان لحنٍ بسيط أن يحمل ما تعجز جملة واحدة عن قوله، لا لأنه يقدّم «معنىً» أوضح، بل لأنه يحرّك طبقة عاطفية أعمق من اللغة.

الكورال والغناء الجماعي

ضمن الفعاليات، شكّل كورال “أوروس” والغناء الجماعي لـ”‎Puzzle Team” المشهد الأكثر صخباً ووضوحاً، شباب وشابات يرتدون الأسود، ويصطفون على المُدرجات، من أقصى “السوبرانو” إلى “الألتو” و”الباص”، يُشكِّل التناغم فيما بينهم ما يشبه  “الجسد الصوتي”. 

الكورال هنا ليس مجرّد غناء، إنه إنشاء جماعة، إعادة صياغة “نحن” بعد أن فككتها الصدمة أو الخوف أو الخذلان. 

الغناء المشترك يخلق نوعاً من التنفس الجماعي، ويمنح الناس شعوراً أنهم ليسوا وحدهم. هو أشبه بتمرين على ضبط المشاعر ضمن بيئة اجتماعية بدل الانهيار الفردي، تجربة جماعية تطبع الجسد والذاكرة معاً.

الكورال في السويداء بدا وكأنه يقول شيئاً أبعد من الغناء: نستطيع أن نقف معاً، ولو بصوت واحد.

ولم يكن حضور الموسيقى الكلاسيكية عابراً! في البيئات التي تمرّ بصدمة، تتجه الجماعات إلى أصوات تمنح شعوراً بالثبات، بالترتيب، وبنحت المعنى في فوضى الداخل. هكذا بدا الكلاسيك في السويداء: محاولة لإعادة الإيقاع لحياة انقطع إيقاعها فجأة.

الموسيقى الكلاسيكية تُدخِل المستمع في بنية صوتية منسجمة، وتمنحه لحظة من الاتساق الذهني “amid chaos “، هذا بالضبط ما احتاجته المدينة. في مقابل الكلاسيك والكورال، جاء الـ”Funk” بلون مختلف تماماً: حركة، إيقاع، خفّة، واستفزازٌ للحياة نفسها. ربما لهذا بدا حضوره مؤثراً بعد المجزرة: فهو ليس موسيقى حداد، ولا موسيقى صمت، بل موسيقى تقول: نريد الصراخ ضمن إيقاع وسلم موسيقي. 

من منظور الثقافة اليومية، يمثل الـ Funk نوعاً من “استعادة الجسد” بعد الخوف. ومع ذلك، لا يبدو الأمر هروباً من الألم، بل طريقة للاعتراف به ومقاومته، لرفض العيش في موقع الضحية فقط.

في المدينة المكلومة، بدت الموسيقى بعد المجزرة فعلَ مقاومة ناعم واستشفاء داخلي في آن واحد، فليست كل أشكال المقاومة صاخبة، إذ يمكن للصوت أن يكون متراساً نفسياً يحمي الجماعة من الانطفاء. 

المشاعر ليست واحدة: البعض احتاج السكينة، البعض طلب الغضب، البعض الآخر وجد نفسه بحاجة لعالم خاص به، لصوت جماعي أو لوميض من الضوء. عالم له قوانينه الخاصة، إيقاعه، طقسه الداخلي، ومساحته التي تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته. 

في اللحظات الثقيلة، لا يملك الفرد القدرة على حمل ذاته، فتأتي الموسيقى لتنتشله، لتأخذه إلى فضاء مختلف، أشبه بملجأ مؤقت يعلّقه خارج الألم ولو للحظة. هي ليست مرآة للداخل فقط، بل بابٌ إلى مكان آخر، مكان يخرج فيه من الماء ليأخذ نفساً عميقاً ويغطس من جديد في ألمه.

ما قدّمته فعاليات المجتمع المدني في المدينة لم يكن مجرد فقرات فنية، بل كان محاولة لإعادة تعريف دور السويداء في لحظة سياسية–اجتماعية خانقة، محاولة لردم الفراغ الذي خلّفته المجزرة، ولإعادة الإيقاع إلى حياة فقدت إيقاعها فجأة. 

الموسيقى هنا ليست زينة، بل جغرافيا بديلة تُنقذ الجماعة من السقوط، وتعيد لها القدرة على الاجتماع، وفضاء يجتمع فيه الناس ليقولوا، دون حاجة إلى الكلمات: “نحن هنا.. ما زلنا أحياء.. وما زالت المدينة قادرة على الغناء”.