By Carl Arriens - English troops chased back to their ship under German fire 3 November 1914, Public Domain, https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=113831166

البطل الناجي من لسعات النحل

تحرير:

حبق ميديا

Editor:

Habaq Media

Share

مشاركة



Font Resize

حجم الخط




خلال دراستي في قسم الصحافة والإعلام ضمن جامعة دمشق، فكرت عام ٢٠٠٩ أن أجري بحثاً ضمن مادة أرجح أنها: “الرأي العام” أسميته: “مفهوم البطل عند عينة مختارة من طلاب جامعة دمشق”. لأغراض بحثية صممت استمارة بسيطة طلبت فيها من المبحوثين اختيار اسمين أو ثلاثة من قائمة ضمّت أسماء الشخصيات التاريخية العربية والعالمية والمتخيلة: “هتلر، سلطان الأطرش، غيفارا، يوسف العظمة، غاندي، صلاح الدين الأيوبي، روبن هود،.. ”  وكذلك وضعت أسئلة عن الصفات الواجب تواجدها في البطل: “القوة الجسدية، الذكاء، المستوى التعليمي..”. ورغم أنني لا أذكر اليوم نتائج الدراسة النهائية لكن أذكر بعضاً من انطباعاتي و حواراتي مع الطلاب الذين قبلوا الإجابة على أسئلة الاستمارة. أذكر يومها أنني لاحظت تناقضاً في خيارات الطلاب بين أسماء الأبطال وصفاتهم، فرغم أن معظم الطلاب أجمعوا على أن القوة الجسدية عامل حاسم لا بد من توفره عند “البطل” فقد كانوا يختارون مثلاً أسماء شخصيات اشتهرت بحنكتها السياسية، ومواقفها الوطنية، وليس بالضرورة قدرتها الجسدية المباشرة، ما يعكس تأثرهم بصورة البطل الخارق التي تربوا عليها صغاراً . من جانب آخر، لاحظت وقتها بأن حجم المعلومات التي يمتلكها الطُلاب ومصدر تلك المعلومات، قد يلعب دوراً في خياراتهم، إلى جانب جدّة هذه المعلومات و طزاجتها، فالقائد السياسي الذي قد سمعوا عنه في نشرة أخبار البارحة قد يبدو لهم أكثر بطولية من قائد تاريخي ذُكر لهم ضمن مقررات دراسية كانوا مكلفين بحفظها وهم أطفال. كذلك كان من الواضح حينها أن الطلاب حينما يجاوبون على الأسئلة لا يعكسون أفكارهم فقط، بل يكثفون رأي ذويهم وعائلاتهم وأصدقائهم. 

كان يا مكان في قديم الزمن 

بصورة أو أخرى، البطل هو حكاية مشوقة تُقال كما يجب، وتجعل المستمعين يقعون في حب شخصيات لم يلتقوها يوماً. كلما كان الراوي أفضل، قادراً على وصف بَطله وجعل حكايته أكثر تشويقاً كلما باتت الشخصية التي يتحدث عنها خرافية، مقدسة ولا يمكن مقاومة سحرها. 

لكن الحكايات أحياناً تُقص أكثر من اللازم، حتى أن الراوي نفسه يصاب بالملل. مرة إثر مرة، يغفل تفصيلاَ هنا ويتجنب ذكر حادثة هناك، كما أن الحماسة في صوته تنطفئ بحيث يمسي البطل باهتاً وغير جديرٍ بالاهتمام. 

لفرط استخدامها، تفقد الرموز معانيها، أو ألقها، تمسي أحياناً مثالية، فوق بشرية، محقة دائماً، براقة بالكامل، لا ترتكب الأخطاء ولا تنطق إلا بالعبارات التي تصلح لتُمسي شعاراتِ ملهمة وأقوالاً مأثورة. هل يقول البطل الرمز: “أنا جائع”، “أنا خائف”، “الصداع يكاد يقتلني؟”. الإرث الشعبي يقول: “لا” تلك عبارات لا تليق بالأبطال ولا يمكن أن تقال على ألسنتهم. 

البطل الرمز يمسي مع الوقت عبئاً على المجتمعات التي خرج منها، لأنه يرفع سقف التوقعات والمطالبات بصورة لا يمكن تحقيقها. فكل أفعال المقاومة الخجولة والثورات الصغيرة، وكل موقف جذري لا يُحتسب ولا يُعد كافياً مقارنة بالثورة المطلقة، كاملة الأوصاف، التي قادها “البطل”. وكل الأجيال التي جاءت بعده، ضعيفة، كسولة، بشرية بالمُطلق، ولا ترقى للمستوى المطلوب. 

البطل الغبي

من جانب آخر، يركز الإرث الشعبي على البطل، بوصفه فرد إعجازي، استطاع فعل ما فعله لأنه امتلك دوناً عن غيره شجاعة وعزيمة استثنائيتين جعلتاه يحقق ما عجز عنه الجميع. ورغم أن الأبطال أو القياديين بالفعل يملكون بالتأكيد خصائص وسمات تميزهم عن غيرهم لكن الأفعال التي نجحوا في تحقيقها لا يمكن عزوها لمقدراتهم الاستثنائية فقط. ماذا عن السياق؟ الصدفة، البيئة المحيطة، الرفاق؟ 

في كتابه “دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ”، يشير إريك دورتشميد إلى أن الكثير من المعارك عبر التاريخ حُسمت بفعل عامل الطقس، الذكاء الحاد أو السيء، البطولة غير المتوقعة أو عدم الكفاءة الفردية. وفق دورتشميد، يحتاج المرء أن يأخذ مسافة من الحدث ويعود لقراءة التاريخ مرة أخرى وبتمعنٍ أكبر ليقرر إن كان الحدث الذي غير مجرى تاريخ هذه الجماعة أو تلك بطولة خارقة أو محض غباء وخطأ غير محسوب. 

تُلخص إحدى الحكايات التي يذكرها الكتاب وقائع مواجهة خاضتها قوات بريطانية وألمانية ضمن الحرب العالمية الأولى ضمن منطقة “تانغا” في إفريقيا الشرقية الألمانية (حالياً تنزانيا تقريباً). فخلال تقدم قوة بريطانية نحو موقع ألماني، فوجئ جنودها وكان معظمهم من الهنود، بأسراب من النحل تهاجمهم بعدما أقلق أصوات إطلاق الرصاص خلايا النحل الإفريقي التي تتدلى من الأشجار القريبة. خلال ذلك، كان جنرال اللواء البريطاني يشاهد من سفينته جنودهم وهم يفرون هاربين نحو الماء، وحينما سأله أحد ضباطه: “يا إلهي أيها الجنرال، لقد هُزم رجالنا مرة أخرى،  فأي عمل بطولي قام به الألمان؟”. جاء جواب الأخير: “حتى جهنم لا تُقارن بنحلة غاضبة”.  واليوم يسرد المؤرخون هذه الحكاية للتدليل على أهمية فهم المناخ والبيئة الطبيعية التي قد تلعب دوراً حاسماً في نجاح معركة أو إفشالها. ومن مفارقات القدر أن البطل الحقيقي الذي خلد التاريخ اسمه في تلك المعركة لينال لاحقاً وسام الصليب العسكري لشجاعته كان جندياً استمر بالمقاومة وإرسال البرقيات رغم تعرضه لثلاثمئة لسعة (على ذمة مؤلف الكتاب).

هل مر في تاريخ الإنسانية رمز لبطل لم يكن له رفيق؟ أو حبيبة؟ سانشو تبع دونكيشوت، وأنكيدو أخذ بيد جلجامش، فيديل كاسترو رافق غيفارا، وغاندي سار جنباً إلى جنب مع نهرو. ورغم أن الحكايات وكتب التاريخ وكتّاب السيرة تضع جميعها البطل في دائرة الضوء والصديق في الظل، لكن الحياة كما عاشها أبطالها الحقيقيون كانت خليطاً من الاثنين؛ الضوء والظل اللذان يتبدلان ويغيران توزعهما. البطولة، لا تعني شيئاً إن لم تكن تفعل من أجل أشخاصٍ آخرين وبالشراكة معهم. وإذا ما تحقق الهدف أو انتهت المعركة الفرح لا يكتمل إذا لم يكن هناك أجسادٌ يمكن للبطل أن يعانقها أو صيحات فرح يتشاركها مع من حوله. 

سلطان الأطرش المُتعب

والآن إذا ما ركزنا على الرمز الذي كبر أبناء السويداء على اسمه، وأقصد سلطان، قائد الثورة السورية الكبرى، يمكن هنا أن نطرح بعض الأسئلة بدلاً من تقديم الإجابات: ماذا نَعرف حقاً عنه؟ ماذا قال أيضاً إلى جانب عبارة “الدين لله والوطن للجميع” التي اشتهرت على لسانه رغم أنه لم يقم بتأليفها حتى؟ 

لم تسقط كلمتا “باشا” أو الأطرش،  هنا على سبيل الخطأ بل تم اسقاطهما عمداً في محاولة لدفع القارئ للتفكير بالرجل الذي حمل اسم سلطان دون لقبه العائلي أو مرجعيته الاجتماعية.  لماذا أحببنا هذا الجد؟ بسبب هيبته وعينيه الثقابتين؟ أم تناسق بياض شاربيه مع بشرته الحنطية؟ أم لأننا كبرنا شاعرين بالتميّز لأننا اعتقدنا أننا بصورة أو أخرى أحفاد رجل أسطوري ركب صهوة الخيل وتخفى في المغاور وفي الصحاري وبين الصخور؟ أم لأننا وأينما تحركنا في السويداء نجد لافتة مكتوبة لاسم قرية تذكرنا بمعركة كان هو قائداً فيها؟ لسنوات طويلة، مائة عام إن أردنا توخي الدقة، حمل هذا الجد مسؤولية كبرى أصعب وأشد خطراً من المعارك التي خاضها. توجب عليه أن يشغل فراغاً لم يملأه أحد بعده، في ذاكرتنا،  الأغاني، الأشعار، الأمثال المحكية، في نشرات الأخبار، الأضرحة التذكارية، والساحات العامة. مع الوقت بات حضوره يتكثف بسطوة الاسم فقط، دون سياق، أو تواريخ، أو تفاصيل، أو صدف. ماذا فعل القائد سلطان حقاً؟ ولماذا فعل ما فعله؟ من أعانه على ذلك؟ ما العوامل التي تظافرت لمساعدته. هل القيم التي قاتل لأجلها فقدت صلاحيتها؟ 

تظن المجتمعات أحياناً بأنها مطالبة دوماً بتحدي نفسها، عبر اختلاق أبطال أكثر بطولة من أبطالها التاريخيين. لكن الأمور لا تسير على هذا النحو، إذ يحصل العكس أحياناً بحيث يجعل هذا العبء الرمزي المجتمعات تثور على رموزها، تدنسها، وتحطمها لعلها بذلك تتحرر من شعورها بالنقص. فالأرجنتين لم تخلق غيفارا آخر، لكن هل يتوجب عليها فعل ذلك حقاً؟ ماذا كنا سنفعل ببلاد يتحول كل رجالها إلى “غيفارات” مستنسخة، جميعهم يتركون مرضاهم وعائلاتهم لكي يعششوا ويقاتلوا في جبال بعيدة؟ يحق للمجتمعات المُتعبة، أن تستبدل الانتصارات والبطولات الكبيرة بأخرى صغيرة، يومية، يقوم بها أفرادٌ هامشيون، كلٌ على طريقته ووفق طاقته. فأحياناً ما تكون مقاومة لسعة نحلة في الأوقات الحرجة، نوعاً من البطولة التي تستحق التخليد.