عن المدينة التي لم تكن يوماً خارج السويداء، ولا خارج حاجتنا إلى التعدد والحريات
ما يوجع في بيروت اليوم ليس فقط عدد الغارات، و عدد القتلى، و مشهد الأبنية المفتوحة على السماء. ما يوجع أكثر أن المدينة التي تُضرَب الآن ليست مجرد عاصمة عربية أضيفت مرة أخرى إلى دفتر الخراب، بل واحدة من آخر المدن التي ما تزال تحمل، ولو على نحو متعب ومتناقض وناقص، معنى أن يكون في هذا الشرق مكانٌ يتسع لاختلافاته أكثر مما يتسع لحربه. في ٨ نيسان/نيسان ٢٠٢٦، قالت رويترز إن الغارات الإسرائيلية جعلت ذلك اليوم الأكثر دموية في لبنان منذ بدء هذه الجولة، مع مقتل ٢٥٤ شخصاً على مستوى البلاد ووقوع أشد الدمار في بيروت، بينما ذكرت أسوشييتد برس أن الضربات على بيروت المركزية أوقعت ما لا يقل عن ١٨٢ قتيلاً ومئات الجرحى. كما وصفت الأمم المتحدة تقارير الخسائر البشرية بأنها “مروعة”.
لكن بيروت بالنسبة إلى السويداء، ليست مدينة خارجية تُتابَع من بعيد بفضول سياسي عابر. هي مدينة دخلت منذ زمن طويل في المعجم الاجتماعي والمهني والثقافي لكثير من أبناء الجبل. ليست فقط مكاناً قريباً جغرافياً، بل مدينة طالما بدت، في الوعي الجنوبي السوري، بوابةً إلى شكل آخر من الحياة. حياة لا تقوم على جماعة واحدة، ولا على لغة واحدة، ولا على إيقاع واحد للوجود في العالم. تاريخ بيروت الحديث نفسه يفسر شيئاً من هذا. فقد تحولت في القرن التاسع عشر إلى مدينة تجارة وثقافة، ونمت بسرعة باستقبالها التجار والحرفيين واللاجئين والوافدين من جبل لبنان ودمشق والبقاع وغيرها، حتى صار تكوينها نفسه قائماً على الامتصاص والاختلاط لا على الانغلاق.
ولهذا يصعب النظر إلى العلاقة بين السويداء وبيروت بوصفها علاقة “جوار” فقط. بل هي في مستوى أعمق يتمثّل كعلاقة حاجة. المدن الأصغر والجماعات القلقة في الأطراف، تحتاج دائماً إلى مدينة مركزية تقول لها إن التعدد ليس خطراً في ذاته، وإن الحياة المركبة ليست وهماً خالصاً، وإن المجال العام يمكن أن يبقى مفتوحاً ولو جزئياً، ولو تحت ضغط دائم. بيروت كانت وما تزال تؤدي هذا الدور في المخيلة المشرقية حتى حين تتعثر هي نفسها في أزماتها، وحتى حين تخونها طبقتها السياسية، وحتى حين تُخترق بالسلاح والطوائف والمال و الاصطفافات. ليست قيمة بيروت أنها مدينة مثالية، بل أنها مدينة لم تستسلم بالكامل لفكرة اللون الواحد. وتظهر الدراسات الحديثة عن “عوالم بيروت الفكرية” وذاكرتها الثقافية أن المدينة بقيت، عبر مراحل مختلفة، نقطة تقاطع للأفكار العربية والمجلات ودور النشر والمنتديات، أي مكاناً تتجاور فيه الحياة الفكرية مع الحياة اليومية لا مكاناً يطردها.

لبنان كمساحة حريات ناقصة لكنها حقيقية
ولبنان نفسه ليس تفصيلاً في هذا المعنى. في المادة ١٣ من دستوره، ينص صراحة على ضمان حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، وحرية الصحافة، وحرية الاجتماع، وحرية تأليف الجمعيات ضمن حدود القانون. وهذه ليست جملة قانونية هامشية في منطقة نادرة الحريات. وحتى اليوم، تقول منظمة مراسلون بلا حدود إن حرية التعبير موجودة فعلاً في المجال الإعلامي اللبناني، رغم الضغوط السياسية والطائفية والاقتصادية، ورغم تدهور ظروف العمل الصحفي مع الحرب. أي أن لبنان ليس “فردوس الحريات”، لكنه بقي واحداً من الأماكن القليلة التي ظل فيها معنى الحرية قابلاً للظهور، لا منتهياً تماماً قبل أن يبدأ.
ومن هنا يصبح ضرب بيروت أكثر من ضربة عسكرية على مدينة. إنه ضربة على فكرة المدينة المفتوحة نفسها. على إمكانية أن يبقى في هذا الشرق مكانٌ يختلف فيه الناس من دون أن يبادوا فوراً، ويتنازعون من دون أن يلغوا بعضهم مباشرة، ويتكلمون، ويكتبون، ويغنون، ويعملون، ويشربون، ويخسرون، ثم يعودون إلى الشارع نفسه في اليوم التالي.
هذه ليست مسألة جمالية في حياة المدن، بل شرطٌ أخلاقي وسياسي قبل أن يتحول المشرق كله إلى فضاء مغلق لا يعيش فيه إلا من يطابق السلاح أو الطائفة أو الدولة أو الحزب أو الخوف.
وهذا المعنى ليس نظرياً بالنسبة إلى السويداء. من يعرف العلاقات الاجتماعية الفعلية بين الجبل ولبنان يدرك أن بيروت لم تكن في يوم من الأيام مدينة بعيدة في وجدان الناس. هي مدينة دراسة وعمل ومطاعم وبارات ومهن وصداقات وعلاقات قرابة ومواسم خروج وفرصة ثقافية ومجال أوسع من الحدود المحلية الضيقة. قد لا يكون هذا مكتوباً دائماً في السجلات الرسمية، لكنه مكتوب في السيرة الاجتماعية نفسها. في الأسماء التي مرت، وفي التنقل المهني، وفي الأثر المتبادل بين مدينة جبلية تبحث عن متنفس ومدينة ساحلية بنت جزءاً من قوتها على استقبال المختلفين. لهذا فإن ما يُقصف اليوم ليس بناية هنا أو شارعاً هناك فقط، بل واحدة من المدن التي تعلمت عبرها مجتمعات مثل السويداء شيئاً عن الاختلاط، وعن الحركة، وعن أن الهوية لا تفسر كل شيء في الحياة.
والخيط بين الدروز في لبنان والسويداء ليس خيطاً رمزياً طارئاً، بل خيط تاريخي عميق. تشير بريتانيكا إلى أن الجنوب اللبناني صار منذ القرون الوسطى مركزاً أساسياً للدعوة الدرزية، وأن الجماعة استقرت تاريخياً في المناطق الجبلية من لبنان وسوريا، كما تذكّر أيضاً بأن ثورة ١٩٢٥ التي انطلقت من جبل الدروز امتدت بدورها إلى جزء من لبنان في سياق الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان.
بيروت كاحتمال لا كعاصمة فقط
لا يكفي أن نقول اليوم إن بيروت مدينة تحت القصف. هذا صحيح، لكنه أقل من الحقيقة. الحقيقة الأعمق أن بيروت مدينة يُعاد الاعتداء عليها لأنها ما تزال تمثل شيئاً لم يُحسم بعد في هذه المنطقة. هل يمكن للمشرق أن يحتفظ بمدنه المركبة، أم أن كل مدينة ستُدفع في النهاية إلى أن تصبح نسخة مغلقة من جماعة واحدة وخوف واحد وخطاب واحد؟ وحين تُضرَب بيروت، ينكمش هذا الاحتمال أكثر. ينكمش احتمال المدينة التي لا تكتمل، لكنها لا تموت. المدينة التي تتشاجر وتفسد وتتناقض، لكنها تبقى أوسع من تعريف واحد.
ربما لهذا لا تبدو بيروت، من السويداء، مجرد مدينة موجوعة ينبغي الكلام عنها في لحظة حرب. تبدو أقرب إلى شيء يحتاجه الجبل نفسه، ويحتاجه المشرق كله: فضاء يقول إن التعدد ليس لعنة بحد ذاته، وإن الحرية حتى حين تكون ناقصة تظل أفضل من اليقين المغلق، وإن المدن لا تُقاس فقط بما تملكه من سلاح أو نفوذ، بل بما تتيحه من حياة. وعندما تُقصف هذه الحياة مرة أخرى، يصبح السؤال أكبر من “الحدث”: ما الذي يبقى لنا في هذه المنطقة إذا سقطت أيضاً المدن التي كانت تحفظ لنا، ولو على نحو متعب، معنى أن نعيش مختلفين من دون أن نمحو بعضنا تماماً؟
بيروت لا تحتاج اليوم إلى مديح بلاغي، ولا إلى شفقة عابرة. ما تحتاجه، وما نحتاجه نحن أيضاً، أن نفهم لماذا يعني سقوطها هذا القدر. لأنها ليست حجراً فقط، وليست جبهة فقط، وليست خبراً فقط. إنها واحدة من المدن التي كان هذا الشرق يرى فيها أن الحياة ما تزال قابلة لأن تُعاش بأكثر من طريقة. وهذا بالضبط ما يجعل ضربها اليوم حدثاً أكبر من نفسه. لأنه اعتداء على الفكرة التي تجعل مدناً مثل السويداء تتمسك، رغم كل شيء، بأن هذا المشرق لم يُخلق لكي يُدار بمنطق الجماعة الواحدة والخراب الواحد والمعنى الواحد.


