عن تموز الذي لم يغادر المشهد، بل غيّر شكله فقط
بعض المراحل تنتهي حين ينتهي إطلاق النار. يخفّ الضجيج، تتراجع الصور العاجلة، ويبدأ الناس، ببطء ثقيل، في عدّ ما خسروا وترتيب ما بقي. لكن هناك مراحل لا ترضى أن تُطوى بهذه السهولة. تمر الأيام، تتبدل العناوين، وتنصرف الكاميرات إلى مكان آخر، بينما يظل شيء ما مفتوحا في العمق. لا يعود الحدث واقعة مضت، بل يصير طبقة من أثر لا تنفك تتمدد: في اللغة، وفي الخيال، وفي الخوف، وفي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الدولة، وإلى الجار، وإلى المستقبل نفسه. هكذا يبدو تموز السويداء: لا كأيام عبرت، بل كزمن بقي معلقا، يبدل صوره من دون أن يبدل جوهره.
حين لا يكفي البيان
في الأيام الأولى، بدا كأن كل شيء يتجه نحو القالب المعتاد: عنف انفجر، قتلى سقطوا، هدنة أُعلنت، ووعود بالتحقيق قيلت بلهجة رسمية هادئة. في ٢٢ تموز ٢٠٢٥ قالت وزارة الدفاع السورية إنها على علم بتقارير عن “انتهاكات صادمة” في السويداء، وتعهدت بتحديد المسؤولين ومحاسبتهم. كان في تلك اللغة ما يوحي بأن الدولة تحاول أن تضع حدودا للفوضى، وأن تنقل ما جرى من خانة الصدمة إلى خانة الإجراء. لكن ما حدث كان أثقل من أن يُحمل في بيان، وأوسع من أن يُحاصر بوعد. بعض العنف ينتهي في الميدان، لكنه يترك وراءه زمنا كاملا لا ينتهي معه.
لهذا لم يكن تموز مجرد موجة عنف عابرة. ما بقي بعده لم يكن أرقاما فقط، رغم فداحة الأرقام، بل شيئا أشد التصاقا بالحياة اليومية: بيوت دخلها الرصاص ثم بقي فيها الصمت، طرق فقدت معناها القديم، وثقة عامة تصدعت بين المدينة والدولة، وبين المكونات المختلفة، وبين الناس وفكرة الأمان ذاتها. وحين يتشقق الأمان، لا ينتهي الحدث حين يتوقف الرصاص، بل حين يعود العادي عاديا. وهذا، في حالات كهذه، لا يعود بسرعة.
من الجرح إلى اللغة السياسية
ظهر ذلك سريعا في السياسة أيضا. ففي آب ٢٠٢٥ خرجت في السويداء تظاهرات واسعة، وُصفت بأنها الأكبر منذ مواجهات تموز، ورفعت للمرة الأولى بهذا الوضوح مطلب تقرير المصير. لم يكن ذلك مجرد امتداد احتجاجي لجرح طازج، بل إشارة إلى أن الحداد نفسه بدأ يغيّر لغته. ما كان قبل أسابيع ألما وخسارة وذهولا، صار يتخذ هيئة خطاب أكثر صلابة، وأبعد عن المساحات الوسطى السابقة. حين يحدث هذا، لا يعود ممكنا القول إن المرحلة انتهت. تكون قد بدلت موقعها فقط: من الميدان إلى الخيال السياسي.
العدالة بوصفها بابا لم يُغلق
ثم جاءت مسألة العدالة لتؤكد أن الباب ما يزال نصف مفتوح. في ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦ قالت هيومن رايتس ووتش إن المساءلة عن انتهاكات السويداء بقيت غير كافية، وإن القوات الحكومية ومجموعات بدوية ومسلحين دروزا جميعا ارتكبوا انتهاكات جسيمة، شملت القتل بإجراءات موجزة، والإهانة الجسيمة للكرامة، والخطف، مع نزوح واسع. ما يجعل هذه الخلاصة ثقيلة ليس فقط أنها توثق فداحة ما جرى، بل أنها تقول شيئا آخر أيضا: إن الحقيقة نفسها لم تستقر بعد في مكان يتيح للمجتمع أن يضعها خلفه. حين تبقى المسؤولية موزعة بين روايات متنافسة، وتحقيقات ناقصة، ووجع لم ينل حقه من الإنصاف، يبقى الماضي حاضرا كأنه لم يقرر بعد أن يصير ماضيا.


آذار يفتح الملف من جديد
لكن آذار ٢٠٢٦ أضاف طبقة جديدة إلى هذا المشهد. لم يعد ملف السويداء يقف عند حدود المطالبة بالمحاسبة، بل دخل طورا أوسع من التوثيق، من دون أن يدخل طور الإغلاق. ففي ١٣ آذار قالت لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن سوريا إن تقريرها الأخير يتناول الحاجة إلى العدالة والإصلاح، وإنها أخذت علما بإنشاء لجان تحقيق وطنية في أحداث آذار وتموز ٢٠٢٥، ثم ذهبت أبعد من ذلك حين قالت إن أكثر من ١٥٠٠ شخص قُتلوا في السويداء في منتصف تموز، معظمهم من المدنيين الدروز والبدو، على يد القوات الحكومية والجماعات المسلحة الدرزية والمقاتلين القبليين، وإن تقريرا مفصلا خاصا بعنف السويداء سيصدر لاحقا هذا الشهر. هنا لا تبدو القضية كأنها أغلقت، بل كأنها ما تزال تتكشف حتى في عين التحقيق الدولي نفسه.
وبعد ذلك بأيام قليلة، في ١٧ آذار ٢٠٢٦، سلّمت اللجنة الوطنية السورية تقريرها النهائي. قالت اللجنة، وفق ما نشرته الوكالة السورية الرسمية، إنها وثقت خسائر بشرية كبيرة، وانتهاكات جسيمة، ونزوحا واسعا، وإنها أحالت نتائجها إلى القضاء مع التشديد على المساءلة. وفي مادة أخرى نشرتها الوكالة نفسها في اليوم ذاته، وردت أرقام أشد تفصيلا عن الضحايا والمصابين، وعن امتداد الانتهاكات إلى القتل القصد، والسلب، والتعذيب، والتخريب، والتحريض الطائفي. مرة أخرى، لا تقول هذه الخطوة إن المرحلة انتهت، بل تقول إن التحقيق نفسه صار جزءا من المرحلة. فحين يدخل الحدث إلى الأرشيف القضائي والسياسي من دون أن يفقد توتره الأخلاقي والاجتماعي، نكون أمام زمن لم يُغلق بعد، بل تغيّرت فقط الأدوات التي يُدار بها.
حين يعود الحدث في صورة أخرى
ثم إن تموز لم يعد لاحقا كذكرى فقط، بل عاد أيضا في هيئة تفاوض وأمن ومفقودين وأسئلة لم تُحسم. ففي ٢٦ شباط ٢٠٢٦ جرى أول تبادل أسرى بين الحكومة السورية وفصائل درزية في السويداء منذ صيف ٢٠٢٥، وشمل إطلاق ٦١ معتقلا درزيا مقابل ٢٥ من أفراد القوات الحكومية. هذه ليست مجرد واقعة لاحقة يمكن وضعها في الهامش. إنها تقول، بطريقتها الباردة، إن الصيف السابق لم يستقر بعد في مكانه. فالمرحلة التي تنتهي حقا لا تعود عادة عبر الحافلات، ولا عبر المقايضة، ولا عبر الأبواب التي تُفتح على دفعات لمعتقلين ما كان ينبغي أن يبقوا أصلا معلّقين بين الحرب والقانون.
ما الذي يعنيه أن مرحلة لا تنتهي؟
وهكذا يصبح السؤال أعمق من السؤال عن التواريخ. ليس المهم فقط متى بدأت الأحداث ومتى توقفت، بل متى تكف عن إعادة تشكيل ما بعدها. متى تتوقف عن التدخل في اللغة، وفي الثقة، وفي صورة الدولة، وفي معنى الجوار، وفي قدرة الناس على تخيل غد أقل هشاشة. وربما هنا تكمن قسوة تموز السويداء: أنه لم يبقَ محصورا في زمنه المباشر، بل خرج منه وتوزع على الأشهر التالية في هيئة احتجاج، وتقرير حقوقي، وتقرير أممي، وتقرير وطني، وتبادل أسرى، وقلق متواصل من أن الحقيقة ما تزال أكبر من الصيغ الجاهزة التي تحاول احتواءها.
التفاصيل الصغيرة التي تبقى
المرحلة التي لم تنتهِ ليست فقط مرحلة سياسية. إنها أيضا مرحلة تسكن التفاصيل التي لا تدخل العناوين الكبرى عادة: في الحذر الذي صار جزءا من العبور اليومي، في البيوت التي لم تستعد معناها القديم، في الذاكرة التي تزداد تصلبا كلما تأخرت العدالة، وفي المستقبل حين يُرى لا بوصفه امتدادا طبيعيا للحياة، بل بوصفه مساحة غير مأمونة تماما. أحيانا لا تُعرف نهاية المرحلة من خلال البيان الرسمي، بل من خلال عودة الناس إلى الثقة بما كان عاديا. وفي حالات كثيرة، يبدو أن هذه العودة لا تزال بعيدة.


جمر تحت الرماد
لهذا لا تبدو عبارة “المرحلة التي لم تنتهِ” مجرد استعارة أدبية. إنها توصيف دقيق لوضع بقي مفتوحا بعد تموز: في الذاكرة، وفي السياسة، وفي القضاء، وفي معنى العيش المشترك نفسه. لقد خرج تموز من أيامه الأولى، ثم أخذ يتوزع على الأشهر التالية كأن كل شهر يعيد صياغته بلغة جديدة، من دون أن ينجح في إغلاقه. وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم: متى انتهت أحداث تموز؟ بل: على أي مستوى انتهت، وعلى أي مستوى ما تزال مستمرة؟ في العدالة؟ في العودة؟ في الثقة؟ في اللغة؟ في العلاقة بين الناس؟ هناك أحداث تنطفئ بسرعة، وأخرى تبقى مثل جمر تحت الرماد. لا تملأ المشهد كله كل يوم، لكنها لا تكف عن تسخين ما حولها.


