في رواق بيروت، يوم الخميس ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦، أقامت تسجيلات الغرفة جلسة استماع لألبومها «قطر الندى»، أعقبتها جلسة أسئلة وأجوبة مع الحضور، بمشاركة يامن والقبيري من أعضاء المجموعة. أتاحت الأمسية فرصة للاستماع الجماعي إلى العمل والتعرّف إلى التجربة الموسيقية التي تقف خلفه، بعدما نشأ المشروع وتطوّر بين أصدقاء فرّقتهم المدن والبلدان.
كان من المفترض أن يحمل الألبوم الأول لتسجيلات الغرفة اسم «من كل جب هراوي»، في إشارة إلى تفرّق أعضائها الستة جغرافياً. خطّط الأصدقاء لعمل يضم أغاني فردية وتعاونات مشتركة، لكن مجازر السويداء في تموز ٢٠٢٥ أوقفت المشروع لأشهر.



لم يُستأنف العمل كما كان مخططاً له. فقد أعاد لقاء جمع رشيد وسعيد في أمستردام إحياء مسودات موسيقية قديمة، تحوّلت إلى ألبوم بعنوان «قطر الندى»، صدر في نيسان ٢٠٢٦. وبين المشروعين، بقيت الصداقة التي جمعت أعضاء تسجيلات الغرفة أساساً لتجربة موسيقية تتطوّر رغم المسافات، وتتأثر بما يعيشه أصحابها من تحولات شخصية وجماعية.
من غرفة على السطح إلى مشروع موسيقي
يحمل اسم تسجيلات الغرفة (l.ghurfy records) إشارة إلى المكان الذي بدأت فيه حكاية المجموعة. غرفة على سطح منزل أحد أعضائها في السويداء، اعتاد أصدقاء الطفولة الاجتماع فيها للسهر والاستماع إلى الموسيقى. لم تكن الغرفة استوديو، ولم تكن اللقاءات جزءاً من مشروع فني محدد، لكنها جمعت أشخاصاً يشتركون في حب الموسيقى، وإن اختلفت أذواقهم وتجاربهم.
تضم المجموعة ستة أعضاء هم رراشيونال، يامن، القبيري، غديش، بازيل، وسعيد مأمون. ينحدرون جميعاً من السويداء، لكن ظروف الحياة فرّقتهم لاحقاً بين أماكن مختلفة.
في عام ٢٠٢٠، وخلال فترة الحجر الصحي، بدأ يامن وغديش تبادل مقاطع راب وتجارب ارتجال حر (Freestyling) على سبيل المزاح. ومع تطوّر المحاولات، أنشأ يامن مجموعة على واتساب جمعت الأصدقاء حول فكرة العمل الموسيقي المشترك.

تحوّلت المحادثات تدريجياً إلى مساحة لتبادل التسجيلات والأفكار وتعلّم مهارات الإنتاج والكتابة والأداء. ولم تكن خبرات الأعضاء متساوية، فتعلّم كل منهم ما يحتاج إليه، وشارك الآخرين ما يكتشفه. وأصبح التعاون عن بُعد جزءاً من طريقة عمل المجموعة.
تميّز المجموعة بين القرارات المتعلقة بمستقبلها، التي تُناقش وتُطرح للتصويت، والخيارات الفنية التي يحتفظ فيها كل عضو بحريته الإبداعية.
ويروي يامن خلافاً نشأ حول مقطع من إحدى الأغاني، أراد صاحبه حذفه بينما فضّل بقية الأعضاء الإبقاء عليه. وبعد نقاش لم يغيّر موقف صاحب الأغنية، احترمت المجموعة قراره. يقول يامن: «آخر شي رحنا لرأيه الشخصي، لأنه بدك تحترم رأيه، هاي غنايته».
احتفظ الأصدقاء بالنسخة القديمة للاستماع فيما بينهم، بينما نُشرت الأغنية بالشكل الذي اختاره صاحبها. تكشف هذه الحادثة طبيعة المشروع، حيث لا تلغي المشاركة الجماعية استقلال كل فنان.
الهيب هوب نقطة التقاء لا حدود للتجربة
يجمع أعضاء تسجيلات الغرفة حب الهيب هوب منذ الطفولة، لكن اهتماماتهم تمتد إلى أنماط متعددة، من التكنو والموسيقى الإلكترونية إلى الموسيقى الشعبية وتجارب الراب المستقل في العالم العربي وخارجه.
ولا يختصر الأعضاء تأثيراتهم بأسماء فنانين محددين، بل يتحدثون عن مشاهد وتجارب موسيقية أسهمت في تشكيل أذواقهم، وعن معارف تتراكم من خلال الاستماع والتجريب وتبادل الاكتشافات.
ومن التجارب المؤثرة مجموعة غريزيلدا (Griselda)، التي نشأت في مدينة بافالو الأميركية، وأسهمت في إعادة تقديم تقاليد راب الساحل الشرقي. اشتهرت المجموعة بإنتاج موسيقي يستفيد من العينات الصوتية والإيقاعات المقتصدة، ويمنح الكلمات والأداء مساحة بارزة.
ويشير يامن إلى أن رشيد، المعروف فنياً باسم رراشيونال (Irrational)، تعرّف إلى غريزيلدا عبر أصدقائه، وكانت إحدى التجارب المؤثرة فيه خلال تطوّره في إنتاج الراب.

بدأ رشيد العمل في الإنتاج الموسيقي من خلال التكنو، متأثراً بالمشهد الموسيقي في ألمانيا، حيث انتقل للإقامة في سن مبكرة. لكن اهتمامه بالهيب هوب يعود إلى الطفولة. ومع تطوّر تسجيلات الغرفة، اتجه نحو إنتاج إيقاعات الراب استجابةً لرغبة الأصدقاء في العمل المشترك.
ويتذكّر يامن تلك المرحلة مازحاً: «بدنا نعمل راب، دبّر راسك! أنت بتشتغل تكنو، أوكي، بس دبّر راسك، بدنا نشتغل راب».
لم يكن هذا التحوّل منفصلاً عن بقية الأعضاء، بل جاء ضمن تبادل مستمر للتجارب والتأثيرات. ومن هنا، تتشكّل هوية تسجيلات الغرفة من تفاعل اهتمامات أفرادها، فيما يبقى الهيب هوب مساحة مشتركة للتعبير عن الحياة اليومية، وفشّ الخلق وتحويل التجارب الشخصية إلى كلمات.
«قطر الندى»: بين الخيال والواقع اليومي
توقف العمل على «من كل جب هراوي» بعد أحداث السويداء في تموز ٢٠٢٥. واستمر التواصل بين الأعضاء بوصفهم أصدقاء، بينما تراجع المشروع الموسيقي إلى الخلفية.
عادت الموسيقى إلى الواجهة مع لقاء رشيد، المقيم في برلين، بسعيد مأمون، المقيم في أمستردام. كان اللقاء أول اجتماع مباشر بين عضوين من تسجيلات الغرفة بهدف موسيقي واضح، وأعاد إليهما مسودات وأفكاراً سبق أن عملا عليها، لكنها لم تتحوّل إلى أغانٍ مكتملة.
من تلك المسودات بدأ يتشكّل «قطر الندى»، بوصفه عملاً مختلفاً عن المشروع الأول، وإن احتفظ ببعض مواده، ومنها أغنية «من كل جب هراوي».
يتألف الألبوم من سبع أغانٍ، وتولّى رشيد إنتاجه الموسيقي، فيما قدّم سعيد أداء الراب، مع مشاركة غديش في أغنية «تحية للربع». وشكّلت كتابة الكلمات تحدياً إضافياً لرشيد، الذي اعتاد التركيز على الإنتاج أكثر من الكتابة، فيما ساعدت التجارب والذكريات المشتركة بينه وبين سعيد على تطوير الأفكار الغنائية.
تنويه: يتضمّن ألبوم «قطر الندى» ألفاظاً صريحة ولغة قد لا تناسب جميع المستمعين.
ألبوم قطر الندى كاملاً على منصة يوتيوب
تستند كلمات الألبوم إلى تفاصيل شخصية ويومية، وذكريات وأمنيات يتشاركها صاحباه. لكنها لا تتبع مساراً حكائياً واحداً، بل تجمع موضوعات قد تبدو متباعدة، وتتقاطع فيها الأحداث المتخيّلة مع التجارب الواقعية.
وينعكس هذا التداخل على الموسيقى نفسها. يقول رشيد: «اللحن حالم وهادئ، ولكن هناك عناصر أخرى ذات طابع قاسٍ ومؤثر». فالتناقض بين الهدوء والقسوة يظهر في العلاقة بين اللحن والعناصر الصوتية المصاحبة له، بما يتيح للأغنية حمل انطباعات مختلفة في الوقت نفسه.
ويستشهد رشيد بأغنية «عين الزبدة»، التي تدور أحداثها الخيالية في السويداء، لكن وقعها يعكس الحياة اليومية التي يعيشها أصحاب الألبوم. ويشرح هذه العلاقة قائلاً: «كل أغاني الألبوم تقريباً يمكن تخيّل أحداثها على جسر زمكاني يربط الماضي والحاضر مع انطباعات وتجارب شخصياتنا المختلفة».
لا ينفصل الخيال هنا عن الواقع، ولا تُستعاد الذكريات بوصفها أحداثاً انتهت. بل تتداخل الأزمنة والتجارب، وتحمل الحكايات المتخيّلة شيئاً من الحاضر الذي يعيشه أصحابها.
ولا تغيب السياسة عن هذا العالم، حتى حين لا تكون موضوع الأغنية المباشر. يقول رشيد: «السياسة حاضرة طبعاً في كل جوانب الألبوم، حيث تلعب الأخبار جزءاً كبيراً من حياتنا اليومية».
يحمل الألبوم اسم إحدى أغنياته، «قطر الندى»، التي يرتبط عنوانها لدى سعيد بالإحساس الذي يرافق بداية الصباح، وما قد يحمله من شعور بالتغيير بعد فترة صعبة.
يقول سعيد: «لما نفيق الصبح ويكون في ندى، بيجينا إحساس بتغيير، متل فرج بعد شدة».
غير أن الأمل لا يلغي حضور ما عاشته السويداء. ففي أغنية «بين نارين»، تتناول الكلمات مجازر تموز ٢٠٢٥، التي أوقفت المشروع الموسيقي نفسه لفترة. وهكذا، يجمع الألبوم بين أثر تلك الأحداث والذكريات والأحلام التي لا تختزل حياة أصحابه في المأساة وحدها.
توفيق شيّا: صورة تحمل الفن والذاكرة
على غلاف «قطر الندى» صورة للفنان التشكيلي الراحل توفيق شيّا، خال سعيد مأمون، الذي قُتل خلال مجازر السويداء في تموز ٢٠٢٥.
جاء اختيار الصورة باقتراح من رشيد، الذي وجد في شخصية توفيق وتجربته الفنية ما ينسجم مع أجواء الألبوم.
وُلد شيّا عام ١٩٦١، وتخرّج من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. تنقّل في تجربته بين التصميم والنحت والتجريب الفني، واشتهر خصوصاً بصناعة الطائرات الورقية الكبيرة، التي استخدمها لحمل الصور والقصائد والرسائل الثقافية.
في عام ٢٠٠٨، شارك بطائرات ورقية ضخمة في فعاليات دمشق عاصمة الثقافة العربية، حملت إحداها صورة الفنانة فيروز. كما عمل على مشروع للاحتفاء بمحمود درويش، من خلال نشر قصائده على ذيول طائرات ورقية حلّقت في ريف السويداء. وكان منزله ومحترفه «جنة الرماد» مساحة للقاءات والأنشطة الثقافية.
وفي الصورة المستخدمة على غلاف الألبوم، تظهر طائرة ورقية ويحضر الجبل في الخلفية. يجد أصحاب المشروع في هذين العنصرين تعبيراً عن علاقتهم بالسويداء، وعن الرغبة في تخيّل واقع مختلف من دون الانفصال عن المكان.
ولم تكن الطائرة الورقية بالنسبة إلى توفيق مجرد رمز بصري، بل جزءاً من مآذارته الفنية ووسيلة لحمل الشعر والصورة إلى الفضاء العام.

لكن اختيار الصورة يحمل بالنسبة إلى سعيد معنى شخصياً أيضاً. فهو يصف خاله قائلاً: «لأنو هو فنان حالم وحر، بيعبر عن حالة كثير فريدة وبتتقاطع معنا بكثير طرق».
ويضيف أن وضع صورته على الغلاف يمثّل «طريقة امتنان للأثر يلي تركو كمان».
وبذلك، لا يستحضر الغلاف توفيق شيّا بوصفه أحد ضحايا المجازر فحسب، بل يستعيد تجربته الفنية وشخصيته وعلاقته بالمكان. ويصبح حضوره امتداداً لعالم «قطر الندى»، حيث تتجاور الذكريات والأحلام والفقد.
تسجيلات الغرفة: ما بعد الألبوم الأول
رغم أن «قطر الندى» ارتبط موسيقياً برشيد وسعيد، فإن بقية أعضاء تسجيلات الغرفة شاركوا في مراحل مختلفة من تطويره. فقد كانت نسخ الأغاني تُرسل إلى مجموعة الأصدقاء للحصول على الملاحظات، فيما تولّى يامن، بالتعاون مع علاء النجّاد، إعداد المواد البصرية ومقاطع العرض الموسيقي المنشورة على يوتيوب.

يقول يامن عن هذا التعاون: «فلهيك، بشكل أو بآخر، كنا حاسين إنه هذا كله مشروعنا إلنا».
صدر الألبوم على منصات الاستماع باسم رراشيونال وسعيد مأمون، مع اعتماد تسجيلات الغرفة علامةً للإنتاج الموسيقي، بينما نُشرت مواده المصورة عبر قناة المجموعة على يوتيوب.
ويعكس هذا الاختيار رؤية أوسع لتطوير تسجيلات الغرفة بوصفها علامة إنتاج موسيقي مستقلة (Record Label)، يمكنها دعم أعمال أعضائها الحاليين واستقطاب موسيقيين آخرين مستقبلاً. وتتيح القناة المشتركة جمع الإصدارات المصورة في مساحة واحدة، وتوسيع فرص وصولها إلى الجمهور.
وتتطلع المجموعة إلى تطوير نسخة موسّعة من «قطر الندى» (Deluxe Version)، إلى جانب مشاريع جديدة قد تمنح بقية الأعضاء حضوراً أكبر وتفتح المجال أمام تعاونات موسيقية مختلفة.
من غرفة على سطح منزل في السويداء إلى تسجيلات تُتبادل بين مدن وبلدان متباعدة، ثم إلى ألبوم وُلد من لقاء في أمستردام، تغيّرت أشكال التعاون بين الأصدقاء، لكن المشروع ظل قائماً على ما يجمعهم، وعلى المساحة التي يتركها كل منهم للآخر كي يطوّر صوته الخاص.
لا يقدّم «قطر الندى» صورة مكتملة عن الأعضاء الستة أو عن الموسيقى التي سيصنعونها مستقبلاً، لكنه يكشف جانباً من تجربة تحاول تحويل الصداقة والتعلّم المشترك إلى عمل موسيقي مستمر.
وفي هذه الحكاية، لا تحضر السويداء بوصفها خلفية جغرافية أو موضوعاً للأغاني وحدها، بل مكاناً نشأت فيه العلاقات الأولى، وما زال أثره حاضراً في الموسيقى التي يصنعها أبناؤها، أينما أصبحوا.


